مناجم باكستان لا جبال الهيمالايا: الحقيقة الطبية لملح الهيمالايا

شهد ملح الهيمالايا الوردي خلال السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا في الأسواق العالمية، وجرى الترويج له بوصفه بديلًا صحيًا متفوّقًا على ملح الطعام التقليدي، مع ربطه بسلسلة من الفوائد الصحية التي شملت تحسين ضغط الدم، وتنظيم توازن المعادن في الجسم، والمساعدة على إزالة السموم. إلا أن النظرة الطبية العلمية الدقيقة تكشف أن كثيرًا من هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة، بل ترتكز إلى تسويق ذكي يستغل اسمًا جغرافيًا جذابًا وصورة نمطية عن «الطبيعة النقية».

أول ما يلفت الانتباه في هذا المنتج هو اسمه. فعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بأن ملح الهيمالايا يُستخرج من جبال الهيمالايا، فإن الحقيقة الجغرافية مختلفة تمامًا. المصدر الفعلي لهذا الملح هو مناجم الملح الواقعة في إقليم البنجاب في باكستان، وتحديدًا منجم «كيورا»، أحد أقدم وأكبر مناجم الملح في العالم. هذا المنجم يقع ضمن سلسلة جيولوجية تُعرف باسم «Salt Range»، وهي منفصلة علميًا وجغرافيًا عن جبال الهيمالايا. استخدام اسم الهيمالايا لا يعكس واقع المصدر، بل يُعد خيارًا تسويقيًا يمنح المنتج قيمة رمزية مرتبطة بالنقاء والارتفاع والطبيعة البكر.

من الناحية الكيميائية، يتشابه ملح الهيمالايا إلى حد كبير مع ملح الطعام العادي، إذ يتكوّن في معظمه من كلوريد الصوديوم، وهو المركّب المسؤول عن الطعم المالح وتأثير الملح الأساسي في الجسم. اللون الوردي الذي يميّز هذا الملح لا يدل على خصائص علاجية خاصة، بل ينتج عن وجود آثار من أكسيد الحديد وبعض المعادن الأخرى بكميات ضئيلة جدًا. ورغم أن هذه المعادن تُستخدم في الحملات الترويجية للإيحاء بقيمة غذائية عالية، فإن تركيزها المنخفض يجعل تأثيرها الغذائي شبه معدوم من الناحية الطبية، ولا يمكن اعتبارها مصدرًا حقيقيًا لهذه العناصر.

تُظهر الدراسات الغذائية أن الجسم لا يعتمد على الملح كمصدر للمعادن الأساسية مثل المغنيسيوم أو الكالسيوم أو البوتاسيوم، بل يحصل عليها من نظام غذائي متوازن يشمل الخضار، والفواكه، والبقوليات، ومنتجات الألبان. لذلك، فإن الادعاء بأن ملح الهيمالايا يزوّد الجسم بعشرات المعادن الضرورية هو ادعاء غير ذي قيمة عملية من منظور علم التغذية.

أما من حيث التأثير على صحة القلب وضغط الدم، فلا يوجد أي دليل علمي موثوق يُثبت أن ملح الهيمالايا أكثر أمانًا أو أقل ضررًا من الملح العادي. على العكس، فإن الصوديوم الموجود فيه يؤثر في الجسم بالطريقة نفسها، ويؤدي الإفراط في استهلاكه إلى زيادة خطر ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، تمامًا كما هو الحال مع أي نوع آخر من الملح. الهيئات الصحية العالمية، بما في ذلك مؤسسات القلب والتغذية، لا تفرّق في توصياتها بين أنواع الملح، بل تركّز على تقليل إجمالي استهلاك الصوديوم بغض النظر عن مصدره.

النقطة الطبية الأكثر خطورة في استخدام ملح الهيمالايا تكمن في كونه غير مدعّم باليود. يُعد اليود عنصرًا أساسيًا لعمل الغدة الدرقية وتنظيم الهرمونات المرتبطة بالنمو والتمثيل الغذائي. وقد أدّى نقص اليود تاريخيًا إلى انتشار أمراض خطيرة، خاصة تضخم الغدة الدرقية واضطرابات النمو العصبي لدى الأطفال. لهذا السبب، اعتُبر تدعيم ملح الطعام باليود أحد أهم إنجازات الصحة العامة في القرن العشرين، وهو إجراء أوصت به منظمة الصحة العالمية للحد من هذه الاضطرابات على نطاق واسع.

استبدال الملح المدعّم باليود بملح الهيمالايا بشكل كامل، ولفترات طويلة، قد يؤدي إلى نقص تدريجي في اليود، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة مثل الأطفال، والنساء الحوامل، والمرضعات. هذا الخطر لا يُذكر غالبًا في الحملات الترويجية، رغم كونه أحد الجوانب الطبية الجوهرية التي يجب أخذها في الاعتبار.

انتشار ملح الهيمالايا لا يعكس تفوقًا صحيًا، بل يعكس نجاحًا تسويقيًا. فاللون الجذاب، والاسم المرتبط بأعلى جبال العالم، وربطه بأنماط الحياة الصحية، كلها عناصر تُستخدم لإقناع المستهلك بميزة غير مثبتة علميًا. في الواقع، لا توصي أي جهة طبية رسمية باستبدال الملح المدعّم باليود بملح الهيمالايا، ولا تعتبره خيارًا صحيًا مفضّلًا.

المراجع العلمية:

  • World Health Organization (WHO) – Guideline: Fortification of food-grade salt with iodine
  • Harvard T.H. Chan School of Public Health – Salt and Sodium
  • National Institutes of Health (NIH) – Iodine Fact Sheet for Health Professionals
  • McGill Office for Science and Society – Himalayan Pink Salt: Is It Better Than Regular Salt?
  • U.S. Food & Drug Administration (FDA) – Sodium in Your Diet

زر الذهاب إلى الأعلى