
يسجّل الذهب مستويات تاريخية غير مسبوقة، متجاوزاً عتبة 4,800 دولار للأونصة، في مشهد يعكس حجم القلق المتراكم في الأسواق العالميّة، وسط تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية وماليّة دفعت المستثمرين إلى التمسّك بالمعدن الأصفر كأداة حماية لا كمجرد أداة استثمارية.
في هذا السياق، نرى أن الارتفاع الحالي في أسعار الذهب لا يمكن فصله عن تصاعد التوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة حول العالم، من الحرب المستمرة في أوكرانيا، إلى عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا سيّما في لبنان وغزةمروراً بتوترات البحر الأحمر والمواجهة غير المعلنة بين القوى الكبرى. هذه العوامل أعادت إلى الواجهة وظيفة الذهب التاريخية كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين.
اقتصادياً، تساهم المخاوف من تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع مستويات الدين العام في الولايات المتحدة وأوروبا، في تعزيز الطلب على الذهب. فرغم محاولات البنوك المركزية احتواء التضخم عبر سياسات نقديّة مشددة خلال السنوات الماضية، إلا أنّ الأسواق باتت تُسعّر مرحلة جديدة قد تتجه فيها أسعار الفائدة نحو الاستقرار أو الخفض التدريجي، ما يقلل من جاذبيّة الأصول ذات العائد الثابت ويعزز الطلب على الذهب.
في هذا السياق، تلعب البنوك المركزية دوراً محورياً في دعم الأسعار، إذ واصلت دول كبرى، أبرزها الصين وروسيا، زيادة احتياطاتها من الذهب في إطار استراتيجية تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي خصوصا أن الولايات المتّحدة تواجه وضعًا اقتصاديا وماليًّا متذبذبًا. وهذا التحول البنيوي في إدارة الاحتياطات النقدية يمنح أسعار الذهب دعماً طويل الأمد، يتجاوز منطق المضاربة قصيرة الأجل.
لكن في المقابل، لا يخلو هذا الارتفاع القياسي من سلبيّات وضغوط موازية. فالأسعار المرتفعة تقلّص الطلب الاستهلاكي على المجوهرات، خصوصاً في الأسواق التقليدية في آسيا والشرق الأوسط. كما أنّ أي تهدئة مفاجئة على الصعيد الجيوسياسي، أو تشدّد غير متوقع في السياسة النقديّة الأميركيّة، قد يؤدي إلى تصحيحات سعرية سريعة، وإن كانت موقتة، رغم الحديث عن تغيير قريب لرئيس البنك الاحتياطي الفدرالي الاميركي.
أمّا على المستوى الفني، يظهر أن الذهب دخل مرحلة زخم قوي، مع تسجيل قمم متتالية أعلى من سابقاتها، ما يشير إلى سيطرة الاتجاه الصاعد. إلا أن هذا الزخم يجعل السوق عرضة لحركات جني أرباح محدودة، تُعد صحّية في سياق الاتجاه العام، ولا تعني بالضرورة انعكاساً هبوطياً.
توقعات على المدى القصير
الى ذلك، يُرجّح خلال الشهر المقبل أن يبقى الذهب ضمن نطاق مرتفع، مع ميل صعودي واضح. وتشير التقديرات إلى احتمال اختبار مستويات جديدة في حال استمرار التوترات الحالية وبقاء المؤشرات الاقتصادية العالمية ضبابية. في المقابل، قد يشهد السعر فترات تراجع محدودة ضمن نطاق تصحيحي، خصوصاً إذا طرأت تطورات سياسية أو مالية تخفف منسوب القلق في الأسواق.
بصورة عامة، يبدو أن الذهب لم يعد يتحرك فقط كردّ فعل ظرفي للأزمات، بل دخل مرحلة إعادة تسعير تعكس تحوّلاً أعمق في نظرة المستثمرين والدول إلى دوره في النظام المالي العالمي، ما يجعل مستوياته الحالية تعبيراً عن واقع عالمي مضطرب أكثر منه فقاعة موقتة.
ج س

