الفجوة الماليّة وكيفيّة تفكيك شيفرتها العميقة: خارطة طريق نحو الاستقرار؟!

تمثل الفجوة المالية التي يواجهها لبنان تحديًا وجوديًا لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية. وهي ليست مجرد نقص موقت في السيولة، بل هي عميقة النطاق، ناشئة عن تراكمات تاريخيّة من سياسات اقتصادية فاشلة، وهياكل تشريعية متهالكة، وبنية تحتية مالية مشوّهة ناهيك عن فساد المسؤولين وأهل السلطة المسيطرين كأخطبوط على كل مفاصل الدولة.

إن فهم طبيعة الفجوة يتطلب تفكيك الأسباب الجذرية التي حوّلت القطاع المصرفي من شريك استراتيجي للتنمية إلى أحد المحركات الرئيسيّة للانهيار. حجم هذا الثقب المالي، الذي يُقدَّر بمبلغ يتراوح بين 80 مليار دولار و93 مليار دولار، يجعل من أيّ حل يعتمد فقط على الأصول الحاليّة أمراً مستحيلاً،وهذا الرقم الضخم يمثل الفارق بين ما يدين به القطاع المصرفي لأصحاب الودائع وما يمتلكه بالفعل من أصول قابلة للتحصيل.

أمّا السبب الجذري لهذه الفجوة يكمن في البنية التحتيّة الماليّة المتهالكة التي سادت لعقود طويلة. كانت السرّية المصرفية التقليديّة بمثابة “غطاء” للفساد وأنشطة غير مشروعة لدى جمعيّة المصارف بالتواطؤ مع بعض الحكّام والمسؤولين السياسيين، مما سمح بتآكل الأصول وتجميع الثروات بطريقة غير شرعية دون مساءلة أو رقابة،لكن المشكلة لم تكن في السرية نفسها فحسب، بل في كيفية استخدام البنوك اللبنانية كأداة بيد السياسة لدعم الحكومات عبر سنوات متعددة.

فقد عملت البنوك بشكل أساسي كمؤسسات إئتمان طويلة الأجل لتمويل الدولة بدلاً من الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يُعرف بـ”المصرفية السياسية”. لقد استثمرت البنوك التجارية أكثر من 75% من الودائع لدىdepositors في سندات الخزانة وبنك لبنان المركزي، وهي نسبة تتجاوز بكثير الحدود القانونية الآمنة التي لا تتجاوز 30% من إجمالي أصول البنك الواحد تجاه جهة واحدة.وهذا الانحراف الهيكلي حوّل المصارف من كونها محركات للاقتصاد الخاص إلى آلة دعم للدولة، حيث أصبحت الودائع المجمّعة من المواطنين مصدرًا رئيسيًا لتغذية موازنات الحكومات ومشاريعها الفاشلة الفاسدة، خاصة بعد عام 2005. وّهذا النهج لم يكن مدمرًا فحسب، بل كان أيضًا غير مستدام، حيث أدّى إلى تآكل رأس المال المصرفي وزيادة المخاطر بشكل كبير.

إلى جانب استثمار الودائع في أدوات الدين الحكومية، ساهمت البنوك في إضعاف نفسها من خلال انتهاكها الصريح للقواعد الاحتياطيّة والتنظيميّة. فقد تم تجاوز قواعد “التطابق بين الأجلين”(Maturity Matching)، والتي تتطلب أن تكون أعمار الودائع طويلة الأمد لتغطية القروض طويلة الأجل، بالإضافة إلى عدم الحفاظ على نسب رأسمالية كافية ونسب سيولة عالية، وهو أمر حيوي بشكل خاص لحماية الودائع المقوّمة بالدولار الأميركي.وبسبب غياب “بنك الودائع الأخير” بالدولار(a foreign-currency lender of last resort)، أصبحت البنوك عرضة لحالات الذعر النقدي (bank runs) بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالودائع الأجنبية.

عندما انهار سعر صرف الليرة اللبنانية عام 2019، لم تكن المصارف قادرة على تلبية طلبات السحب بالدولار، مما أدّى إلى تحويل الوضع من أزمة سيولة إلى أزمة ديون كاملة، حيث تمّ تعليق السحب بالكامل. هذا الانهيار المفاجئ وغير المنظّم خلق جزءًا هائلاً من “الفجوة الماليّة”.

جزء آخر من هذا “الثقب المالي” نشأ مباشرة بعد انهيار الليرة عام 2019. فقد تم تحويل ودائع بأكثر من 16 مليار دولار من الدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية عند سعر صرف رمزي يقارب 1507.5 ليرة لبنانية للدولار، وهو سعر يقلل من قيمة الوديعة بنسبة تصل إلى 98% تقريبًا. وهذا التحويل الجزائي لأصل ذي قيمة عالية إلى أصل ذي قيمة منخفضة للغاية يعتبر تحولاً جزائياً حقيقيًا، وأحد أكبر مساهمات في زيادة الفجوة بين ما يدين به القطاع المصرفي وما يملكه. هذا الإجراء، الذي تم دون إشراف قضائي أو مراجعة قانونية، حوّل وديعة مضمونة دوليًا إلى أصل ذو قيمة محليّة ضئيلة، مما أدّى إلى تآكل الثقة بشكل كامل. وقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب قصور البنوك في إدارة مخاطر الصرف الأجنبي وغياب أي إطار تنظيمي فعال يمنع مثل هذه الممارسات.

إن تداعيات هذا الانهيار المالي لم تقتصر على القطاع المصرفي، بل امتدت لتشل الاقتصاد الكلي. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 55 مليار دولار في عام 2018 إلى 33 مليار دولار في عام 2020، مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة تقارب %19كما ارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير، وتدهورت الخدمات العامة بشكل ملحوظ، ووصلت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. وقد أضاف النزاع المسلح عام 2024 زخمًا إضافيًا لهذا التدهور، حيث توقع تقرير Monitor (LEM) لعام 2024 أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.7% نتيجة لذلك، مما يمثل خسارة تقدر بـ4.2 مليار دولار في استهلاك السلع والخدمات والصادرات. هذا الانهيار الاقتصادي العميق هو نتيجة مباشرة لفشل النظام المالي، والذي بدوره يعكس فشلًا أوسع في إدارة الدولة.

في نهاية عام 2024، كان إجمالي أصول البنوك قد انخفض من 217 مليار دولار عام 2019 إلى 104 مليارات دولار، وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي الودائع من 172 مليار دولار في عام 2009 إلى 88 مليار دولار خلال عام واحد، هذا يعني أن البنوك لم تعد قادرة على سداد أي شيء قريب من القيمة الأصلية للودائع. ومع ذلك، فإن حجم الودائع المجمدة لا يزال هائلاً، حيث يُقدَّر بين 86 مليار و93 مليار دولار، مقسمة على حوالي 1.26 مليون حساب. هذا الواقع المعقد يظهر أن معظم الودائع، بما في ذلك تلك التي تقل عن 100 ألف دولار، لا يمكن سدادها بالكامل. فالعجز المالي ليس مجرد اختلاف في الأرقام، بل هو انعكاس لنموذج اقتصادي فاشل وفاسد استمر لعقود، حيث لم تكن البنوك مجرد مؤسسات مالية، بل أدوات لتجميع السلطة والثروة ودعم السياسات الحكومية، مما وضع البلاد في حالة من الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي.

 

المؤشّر القيمة(بالدولارالأميركي)
حجمالفجوةالمالية/الودائعالمجمدة 80-93 مليار دولار
إجماليأصولالبنوك(2019) 217 مليار
إجماليأصولالبنوك(2024) 104 مليار
إجمالي وديعةالبنوك(2009) 172 مليار
إجمالي وديعةالبنوك(2024) 88 مليار
وديعةبنكلبنانالمركزي BDL ديون مباشرة 16.5 مليار+14.9 مليار خصومات=31.4 مليار
الذهبالمخزّنلدىBDL 33 مليار

هذا الجدول يوضح حجم التحدّي الذي يواجهه لبنان. الفجوة بين الودائع المجمدة والأصول المتاحة هي حقيقة ملموسة وواضحة. إن أي استراتيجية مستقبلية يجب أن تبدأ من الاعتراف بهذا الواقع، ثم تبني نهجًا جذريًا يعالج الأسباب الأساسية للانهيار بدلاً من محاولة سدّالفجوة بحلول سطحية لا تنجح إلا في تأخير العاصفة القادمة.

خطوات وخلافات حادة

على الرغم من أن لبنان يقف عند مفترق طرق تاريخي، إلا أنه شهد خلال السنوات الماضية تحركات تشريعية مهمة تهدف إلى تشكيل أساس لمستقبل مالي مستقر. ومع ذلك، فإن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل غير متكاملة وتعاني من فجوات كبيرة في التنفيذ، مما أدّى إلى خلق حالة من الاستقطاب السياسي والقانوني الحاد حول كيفية التعامل مع “الفجوة الماليّ” الضخمة. إن المسار التشريعي الحالي يكشف عن صراع بين أولويات متضاربة: الحكومة والبنك المركزي يريدان حماية البنوك من المسؤولية الماليّة، بينما تطالب البنوك التجارية بأن تكون الخسائر على الدولة والبنك المركزي أولًا، ويفرض الصندوق الدولي شروطًا قائمة على المساءلة والمسؤولية المشتركة.

أمّا الخطوة الأكثر أهمية في هذا المسار هي إقرار مجلس النواب لقانون إعادة هيكلة المصارف في كانون الا,ل من العام الماضي(2025) وهو يهدف إلى إنشاء سلطة جديدة، هي “سلطة إعادة هيكلة المصارف”، التي ستكون مسؤولة عن إدارة المصارف الفاشلة أو “الزومبي” (banks with no capital and unable to operate).  وهي تمنح الحق في اتخاذ قرارات حاسمة مثل إعادة التمويل، أو الاندماج، أو حتى التصفية الكاملة للمصارف. وهذه الخطوة ضرورية لإنهاء حالة البقاء في خانة الانتظار التي تعاني منها المصارف منذ عام 2019، والتي تنتهك المادة 140 من قانون النقد والائتمان الذي تنص على أن البنوك التي توقف دفعاتها يجب أن يتم استبعادها من السوق ولكن، وكما أشار الخبراء، فإن تفعيل هذا القانون يعتمد بشكل كامل على وجود قانون آخر، وهو “قانون الفجوة المالية” أو”Gap Law”، الذي لم يتم إقراره بعد في مجلس النواب نظرا لوجود عيوب هيكليّة وبنيويّة فيه ولأسباب سياسيّة فاقعة، وهذا القانون هو حجر الزاوية الذي سيحدد كيفية تقاسم الخسائر بين جميع الأطراف المعنية: الدولة، بنك لبنان المركزي، البنوك التجارية، والمودعون الكبار.

أمّا لجهة مشروع القانون الذي أقره مجلس الوزراء في 22 كانون الأول من عام 2025، والذي يوصف بأنه “غير مثالي ولكنه عادل”، يمثل نقطة انطلاق لمناقشات حادةوهو يقترح حلاً متعدد الطبقات: الودائع الصغيرة (أقل من 100,000 دولار) يزعم أنّها ستُعاد تدريجيًا على مدى أربع سنوات، بينما سيتم تحويل الودائع الكبيرة إلى سندات ذات عائد طويل الأجل (10، 15، 20 سنة)ومع ذلك، فإن هذا الحل يثير مخاوف كبيرة من قبل مختلف الأطراف. جمعية المصارف اللبنانية، التي حسب مزاعمها ترى أنّها تشكّل الطرف الأكثر تضررًا من هذا النموذج، وانتقدت مشروع القانون بشدة، مشيرة إلى أن الخسائر يجب أن تقع أولاً على الدولة وبنك لبنان المركزي، وليس على البنوك،كما أنها تعارض فكرة التصفية الكاملة للمصارف القائمة، معتبرة أنها قد تؤدي إلى فقدان الودائع بشكل نهائي، حيث أن القانون الجديد لا يضمن وجود آليات قانونية تربط بين المصارف القديمة والجديدة لضمان استمرارية الحقوق، وهذا الخلاف يكشف عن فجوة استراتيجية عميقة: هل نعيد هيكلة البنوك القائمة أم نستبدلها بنظام مصرفي جديد تمامًا؟.

من جانبه، يصر المصرف المركزي على أن الخسائر تقع حصريًا على الدولة، التي تدين له بـ16.5 مليار دولار كديون مباشرة، بالإضافة إلى 14.9 مليار دولار كخصومات، ليصل إجمالي ديون الدولة إليه إلى 31.4 مليار دولار،ويذهب بعض مسؤوليه إلى حد اقتراح استخدام الذهب المخزّن لدى البنك المركزي كضمان لسداد هذه الديون، وذلك عبر تحرير 1% فقط من احتياطيات الذهب البالغة 286.8 طن (قيمة 33 مليار دولار) لتوليد 350 مليون دولار،وقد تم رفضهذه المقترحات بشكل قاطع من قبل الصندوق الدولي، ليس فقط لأنها تنتهك القانون رقم 42/1986 الذي يحظر أي بيع للذهب دون قرار من البرلمان، ولكن أيضًا لأنها تنتهك مبدأ المساءلة الأساسية الذي يقوم عليه برنامج الصندوق الّذييرى أن استخدام الذهب بهذه الطريقة سيخلق سابقة خطيرة، وسيجعل من الصعب على أي برنامج إصلاحي مستقبلي الحصول على موافقة المجتمع الدولي.

أما بالنسبة للإصلاحات الأخرى، فقد تم تعديل قانون السرية المصرفية في نيسان 2025، ليسمح للسلطات القضائية والرقابية والجهات المختصة بالوصول إلى السجلات المصرفية للحسابات منذ عام 2015وهذه الخطوة، التي جاءت استجابة مباشرة لمطالب الصندوق، تعتبر ضرورية لتعقب الأصول المهرّبة، وملاحقة الفساد، وتحديد أصحاب المصالح الحقيقيين وراء الشركات الوهمية. ومع ذلك، يظل تطبيق هذا القانون مهددًا بسبب غياب القرارات التنفيذية اللازمة التي يجب أن يصدرها مجلس الوزراء لتفعيله، مما يجعله في حالة من التجميد التشريعي.

القانون/الإجراء التاريخ الهدفالرئيسي التحدياتالرئيسية
قانونإعادةهيكلة المصارف كانون الأول2025 إنشاءسلطةإلعادةهيكلةأوتصفية البنوكالفاشلة يحتاجإلى”قانونالفجوةالمالية”لتحديدتمويل عملية إعادة الهيكلة
قانونالسريةالمصرفية)تعديل( نيسان2025 السماحللسلطاتبالوصولإلىالسجلاّت المصرفية منذ عام2015 التطبيقمعلقبسببغيابالقراراتالتنفيذيةمن مجلس الوزراء
مشروعقانونLaw Gap”” كانون الأول2025)عرضعلى مجلس الوزراء) تحديدكيفيةتقاسمالخسائربينالدولةالبنوك، والودائع يواجهاعتراضاتمنجمعيةالمصارفالتيترفض تحمل أي خسائر
مقترحاتمصرفلبنانالمركزي كانون الأول2025 استخدامالذهبكضمانللديونالحكومية تمرفضهامنقبلالصندوقالدوليلانتهاكهاالمبادئ الدولية

 

إن المسار التشريعي الحالي يعكس حالة من الاحتكاك بين مختلف الشرائح السياسية والاقتصادية. إن إقرار مشروعقانونLaw Gap””هو المفتاح الذي سيفتح أبواب أي حل جذري، ولكنه يواجه مقاومة شرسة من قبل المؤسسات الماليّة التي تخشى من فقدان رأس مالها. في المقابل، فإن رفض الصندوق الدولي لأي حل يحمي المصارف الفاسدة يضع الحكومة اللبنانية في موقف صعب، حيث يجب عليها الموازنة بين طموحاتها في الحفاظ على النظام المالي القائم وبين ضرورة الحصول على الدعم المالي الدولي الذي لا غنى عنه لإنعاش الاقتصاد. لذلك فإن الفشل في التوصل إلى توافق سريع حول هذا القانون لن يؤدي فقط إلى تأخير عمليّة الإصلاح، بل سيزيد أيضًا من تآكل الثقة لدى المودعين الذين يرون أن خسائرهم تقع على عاتقهم وحدهم، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل قانونيّة خارج النظام الرسمي، وهو ما يهدد باستمرار الاستقرار المالي للبلاد.

حلول لإعادة الودائع

إن مطالبة المواطنين اللبنانيين بإيجاد “حلول فعلية” لإعادة أموالهم المجمدة ليست مجرد طلب للتخفيف من الألم، بل هي دعوة للبحث عن مخارج قانونية وجدّية تتجاوز الحلول الجزئية والموقتة. إن الواقع الحالي، الذي يقتصر على سحب مبالغ شهرية صغيرة تتراوح بين 400 و500 دولار أميركي و800 دولار أميركي وحجز 200 دولار أميركي تحت مسمّى POS للشراء من خلال البطاقة، هو مجرد آلية لمنع الاحتقان الاجتماعي ولا يقدم أي حل جوهريلذلك، فإن تحليل النماذج الدولية الناجحة في إدارة أزمات البنوك، ومقارنتها بالواقع القانوني اللبناني، يوفر رؤى قيّمة حول ما هو ممكن وما هو ضروري لتحقيق عدالة مالية حقيقية.

من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من الأزمات المالية الدولية هو نموذج قبرص في عام 2013. كانت البنوك القبرصية، مثل البنوك اللبنانية، قد نمت بشكل هائل لتشكل ما لا يقل عن خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للدولة، مما خلق هشاشة هيكليةعند حصول الأزمة، فتبنّى الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي استراتيجية “التدبير”(Bail-in)، وهي آلية تفرض خسائر على مُلاّك البنوك (المساهمين والدائنين غير المضمونين) recapitalize لها قبل اللجوء إلى موارد الدولة. وفي حالة الجزيرة القبرصيّة، تم تدبير جميع الودائع غير المضمونة في بنك لايكي، وإدخال خسائر كبيرة في الودائع غير المضمونة في بنك بوانيموس، مما سمح بإنقاذ البنوك دون الحاجة إلى ضرائب الشعب.وهذا النموذج يوفر درساً حاسماً: إنه يثبت أن فرض خسائر على الودائع الكبيرة غير المضمونة ليس بالأمر المستحيل، بل هو آلية إصلاحية قانونية ضمن الإطار الأوروبي. و Lebanon Economic Monitor (LEM)يقترح تبني هذا المبدأ، ولكن بحذر، من خلال تحويل الودائع الكبيرة إلى سندات حكوميّة طويلة الأجل ذات عائد منخفض، بدلاً من تدميرها بالكامل.هذا النهج، الذي يتبناه مشروع قانون “Gap” نفسه، يحافظ على العلاقة التعاقدية بين المودع والدولة، على عكس تصفية البنك الذي قد يؤدّي إلى فقدان الوديعة تماماً.

على الجانب الآخر، يقدم نموذج آيسلندا بعد انهيار نظامها المصرفي الضخم في عام 2008 دروسًا مختلفة في إدارة الأزمات وحماية المواطن. بعد انهيار ثلاثة بنوك كبرى، فرضت آيسلندا سيطرة على رأس المال بشكل فوري لمنع هروب رأس المال الخارجي، وتم تأسيس نظام قضائي خاص لمحاكمة المسؤولين عن الأزمة، والأهم من ذلك، أنهم فصلوا بين الأصول المحلية والأجنبية للبنوك، حيث تمّت حماية وديعة المواطنين الآيسلنديين بالكامل، بينما تم إطلاق يد المدّعين العامين لاسترداد الأموال التي استحوذ عليها المودعون الأجانب في الخارج، كما استخدمت آيسلندا سيطرة رأس المال كأداة لإنعاش الاقتصاد من خلال فرض “مساهمات استقرار” على مجموعات بنوك الدولة، والتي أدت إلى فائض مالي كبير للدولة.ويوصي تقرير LEM بشدة بإنشاء “بنك جديد” يعمل على أسس صارمة ومتوافقة مع المعايير الدولية، وهو ما يتوافق تمامًا مع التجربة الآيسلندية في إعادة بناء الثقة من الصفر.

في حين أن هذه النماذج الدولية تقدم إطارًا نظريًا، فإن الواقع القانوني في لبنان يوفر مسارات عملية أخرى للحصول على العدالة. لقد أظهرت المحاكم الأجنبية أن الودائع الأميركية المجمدة في لبنان محميّة بموجب القانون التعاقدي والقانون الدولي. وما جرى في قضية الدكتور جورج بيطار في لندن، حيث قضت المحكمة العليا البريطانية ضد بنك فلسطين وجيه دي أفريكانا بتحويل وديعته بالدولار، هي مثال واضح على ذلك، كما في قضية “السردار” في باريس، حيث قضت المحكمة العليا الفرنسية بأن بنك “السردار” كان قد وجه أنشطته إلى فرنسا وبالتالي تخضع أصوله لقوانينها، مما مكن المودع الفرنسي من استرداد أمواله بالكامل، تؤكد أن البنوك اللبنانية مسؤولة أمام القضاء الدولي. وهذه الأحكام القضائية تقدم مساراً قانونياً بديلاً وفعالاً للمساواة أمام القانون، خاصة للمودعين الذين لديهم حسابات في الخارج أو يحملون جنسيات أجنبية.

وفي الداخل، برزت خطوات مهمة أيضاً. القرار الصادر عن محكمة الإستئناف المالية في بيروت ضد بنك فرنسبنك في قضية المودع المصريAyad Ibrahim، والذي أمر بسداد المبلغ النقدي بالدولار، يمثل خطوة تاريخية، هذا الحكم هو الأول من نوعه الذي يأمر بسداد المبلغ النقدي للمودع منذ عام 2019، ويؤكد أن الودائع المجمّدة لا تزال حقوقاً قانونية يجب تنفيذها. وهذا القرار يكسر حاجز الخوف من المساس بالاستقرار المالي ويقدم سابقة قانونيّة مهمة للمودعين الآخرين. ومع ذلك، فإنّ هذه الإجراءات القضائية، سواء في الداخل أو الخارج، تتطلب وقتاً وجهداً وتكاليف باهظة، ولا يمكن أن تكون الحل الشامل لآلاف المودعين.

 

النموذجالدولي السنة الدرسالرئيسي التطبيقالمقترحفيلبنان
قبرص 2013 “تطبيقآلية(Bail-in)علىالودائعغيرالمضمونةفي البنوك recapitalize فرضخسائرعلىالودائعفوقالحدالمضمونمثل

100.000 دولار وتحويلهاإلىسنداتحكوميةطويلةالأجل

آيسلندا 2008 فرض سيطرة رأس المال، وفصل الأصول المحليةعنالأجنبية،وإنشاءبنكوطنيجديد إنشاءبنك جديد قوييعمل على أسسدوليةالستعادة الثقة .وتجذبالإستثماراتالأجنبية
الواقعالقانوني في لبنان 2022-2025 استخدامالقضاءالمحليوالأجنبيلاسترداد .الودائع المجمدة اللجوءإلىالمحاكمالأجنبية)مثللندنوباريس(والمحكمةالماليةفيبيروتكآليةفعالةللضغطعلىالبنوك

 

الى ذلك، لا يوجد حل واحد سحري لإعادة الودائع، بل هناك حاجة إلى استراتيجية متكاملة. يجب أن تكون مبنيّة على تبني مبادئ “التدبير” بشكل عادل، مع إنشاء بنك جديد قوي، والاستمرار في تسخير القضاء المحلي والأجنبي كآلية فعالة وحاسمة للضغط على النظام المصرفي القائم وضمان المساءلة. إن محاولة إغفال هذه المسارات القانونيّة والتعلّم من التجارب الدوليّة ستؤدّي حتمًا إلى إطالة أمد المعاناة للمودعين وتأخير عملية الإصلاح الشاملة التي تحتاجها البلاد.

إن إعادة هيكلة القطاع المصرفي في لبنان ليست مجرد عملية تصفية لمؤسسات فاشلة، بل هي فرصة تاريخيّة لإعادة بناء نظام مالي جديد يعتمد على الشفافيّة والمساءلة والمعايير الدولية. إن الفشل في تحقيق هذا التحول الجذري سيترك البلاد مع بنوك قائمة تعمل بشكل غير قانوني لسنوات، مما يستنزف أي فرص مستقبلية للنمو الاقتصادي ويجعلها عرضة لأزمات أخرى. إن التحليل يشير بوضوح إلى أنّ الحلول الجزئية، مثل السماح للبنوك القائمة بالعمل مع تقييد السحب، هي مجرد تخفيف للألم لا يعالج السبب الجذري. الحل الحقيقي يكمن في خارطة طريق واضحة تجمع بين إزالة البنوك “الميتة” وإنشاء بيئة تنظيميّة جديدة تتيح ظهور بنك جديد قادر على استعادة الثقة المحلية والدولية.

الخطوة الأولى والأكثر أهمية في هذا المسار هي تفعيل قانون إعادة هيكلة المصارف الذي أقره البرلمان في كانون الأول2025 وهو يمنح السلطة الجديدة صلاحيات واسعة لإدارة البنوك الفاشلة، سواء عن طريق إعادة تمويلها، أو دمجها مع بنوك صحية، أو التصفية النهائية. ومع ذلك، كما ذكرنا سابقًا، فإن تفعيل هذا القانون يعتمد بشكل حاسم على إقرار “قانون الفجوة الماليةGap Law” لأنّه بدون هذا القانون، لا يوجد إطار قانوني لتقاسم الخسائر، وبالتالي لا يوجد مصدر مالي محدّد لتمويل عملية إعادة الهيكلة. إن وجود البنوك الفاشلة قائمة على قيد الحياة منذ عام 2019 يمثل خطرًا كبيرًا على النظام المالي، حيث أن المحاكم تتردد في إعلان إفلاسها خوفًا من “التأثير السلبي على استقرار الاقتصاد الكلّي وثقة الجمهور في النظام المالي”، وهذا التردد القضائي يخلق فراغًا قانونيًا يسمح للمصارف بالعمل بشكل غير قانوني، مما يعزز الفساد ويزيد من تعقيد عملية الإصلاح.

أما الرؤية الأكثر جرأة وواقعية لإعادة هيكلة القطاع، والتي تدعمها توصيات “Lebanon Economic Monitor” (LEM)، هي إنشاء “بنك جديد”(New Bank) المستوحى من تجربة آيسلندا، وهو لا يعني بالضرورة تصفية البنوك القائمة بشكل كامل، بل يعني إنشاء مصرف وطني جديد يعمل على أسس صارمة ومتوافقة مع أفضل الممارسات الدولية، بهدف جذب رأس المال العالمي ويمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء شركة قابضة تمتلك حصصًا في البنوك الصحّية المتبقية، أو من خلال تقديم صفقة محفزة للمستثمرين الدوليين لتأسيس بنك جديد بالكامليكون بمثابة “علامة تجارية” جديدة للقطاع المصرفي اللبناني، قادرة على العمل بشفافيّة تامة، والالتزام بمعايير الامتثال العالمية، والتركيز على خدمات التجارة الدولية والتمويل الموجه للاقتصاد الحقيقي. إن وجود بنك جديد قوي وموثوق به سيوفّر قناة آمنة لعودة رأس المال اللبناني الذي يفكر بالخارج، وسيعزز من مكانة لبنان كمركز مالي إقليمي مستقر.

لتحقيق ذلك، يجب أن يرافق إنشاء هذا الأمر مجموعة من الإصلاحات التنظيمية الجوهرية. أولاً، يجب تطبيق معايير السيولة والرقابة الصارمة التي تفرضها الهيئات التنظيمية الدولية. على سبيل المثال، يمكن للمصرف المركزي أن يتبنى معايير “النسبة إلى السيولة المغطاة”(LCR) و”النسبة إلى تغطية التمويل المستقر(NSFR)”، كما هو الحال في كندا، وهذه المعايير تضمن أن البنوك تمتلك احتياطيات من الأصول عالية الجودة يمكن تسييلها بسرعة في حالات الأزمات، مما يحمي الودائع وتقلل من خطر “الهروبالنقدي”. ثانيًا، يجب تحديث وتفعيل قانون الإفلاس (قانون رقم 2/67) ليصبح أداة فعالة لإدارة الأزمات المصرفية، بدلاً من أن يكون مجرد قانون شكلي لا يُطبق.

علاوة على ذلك، يجب أن يكون التحديث التنظيمي جزءًا من عملية إعادة هيكلة البنوك نفسها. وعلى كل مصرفالخضوع لعملية إعادة هيكلة ولفحص شامل لكافة أصوله وخسائره، وأن يتم إعادة تمويله وفقًا لاحتياجاته الفعلية لرأس المال، وليس لخدمة أغراض سياسية. كما أن تطبيق “Circular No. 301” بتاريخ 2025-07-29، الذي عيّن رئيسًا ومجلس إدارة جديدًا للجنة التحكم المصرفي، يمثل خطوة في هذا الاتجاه، حيث يهدف إلى إحداث تغيير في الإدارة العليا للهيئات الرقابيةوالمحافظة على استقلاليتها تمامًا عن أي ضغوط سياسية أو مالية، وأن تكون قادرة على فرض العقوبات على البنوك التي تنتهك القواعد التنظيمية.

في المحصلة، إن إعادة هيكلة القطاع المصرفي هي عملية معقدة تتطلب رؤية بعيدة المدى وتصميمًا دقيقًا. أمّا التركيز فقط على تسوية الحسابات مع البنوك القائمة سيؤدّي حتمًا إلى فشل العملية. والحل المستدام يكمن في الجمع بين عملية تصفية واضحة للمصارف “الميتة” وخلق بيئة تنظيمية جديدة تسمح بنمو بنك جديد قوي وموثوق،ليكون بوصلة الثقة التي تحتاجها البلاد، وحجر الزاوية في أي برنامج إصلاحي ناجح لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني من الألف إلى الياء.

ومن المسلّمات الّتي لا بدّ أن تكون واضحة المعالم، هي مكافحة الفساد المالي في لبنان لأنّها ليست مجرد شرط مسبق للحصول على الدعم المالي الدولي، بل هي شرط أساسي وجوهري لنجاح أي برنامج إصلاحي طويل الأمد. فالفساد ليس مجرد ظاهرة جانبية في الأزمة، بل هو أحد الأسباب الجذرية التي أدت إلى انهيار النظام المالي. لأنّ غياب الشفافية والمساءلة وسوء الإدارة أدى إلى استنزاف الأصول الوطنية، وتحويل الودائع من أصول مضمونة إلى مخاطر عالية، وخلق ثقافة تسمح بارتكاب جرائم ماليّة واسعة النطاق. لذلك، يجب أن تكون المكافحة محورًا رئيسيًا في أي استراتيجية مستقبلية، تجمع بين الإصلاحات التشريعية المحلية الصارمة، والتعاون الدولي الفعال، وبناء مؤسسات قضائية قوية ومستقلة.

أمّا على الصعيد العالمي، يلعب الصندوق الدولي دورًا حاسمًا في تشكيل معايير مكافحة الفساد. فقد أطلق عام 2018 إطارًا رسميًا لتعزيز المشاركة في مجال الحوكمة(Governance Policy)، والذي يركز بشكل خاص على ستة وظائف حيوية للدولة: الحوكمة الماليّة، الإشراف على القطاع المالي، الحوكمة والعمليات الخاصة بالمصرف المركزي،تنظيم الأسواق، سيادة القانون، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب(. ووفقًا لهذا الإطار، يجب أن ترتبط مساعدات الصندوق ببرامج إصلاحيّة جادة، ومعالجة أي “مخاطر حادة” في مجال الحوكمة كشرط أساسي للحصول على التمويل وهو يعطي الوزن السياسي لمطالب إصلاحات مثل تعديل قانون السرية المصرفية، ويفرض على السلطات اللبنانية اتخاذ خطوات ملموسة وقابلة للقياس.

على الصعيد المحلي، تم إحراز بعض التقدم في مجال تعزيز الشفافيّة. مشروع ACT الأوروبي، الذي تم تنفيذه من عام 2021 إلى 2024، كان له دور مهم في دعم الجهود الوطنية لمكافحة الفسادويشمل هذا المشروع، الذي تم تنفيذه من قبلExpertise France، ثلاث ركائز رئيسية: دعم الجهود الوطنية لمكافحة الفساد، وتعزيز قدرات هيئات الرقابة مثل ديوان المحاسبة، وزيادة الوعي العام من خلال التعاون مع المجتمع المدني،ومن أبرز نتائج هذا المشروع إطلاق “مؤشر خطر الفساد” الأول في لبنان، وهو أداة سنوية تقيس الإطار القانوني والتطبيق العملي لمكافحة الفساد في خمسة إدارات حكومية رئيسية،وهذه الخطوات مهمة لرفع مستوى الوعي العام والضغط على المسؤولين لاتخاذ إجراءات حقيقية. كما أن إصدار “Circular No. 747” فيتشرين الثاني 2025 من العام الماضي، الذي ينظم استثناءات لسداد الودائع بالدولار، يمثل خطوة نحو توحيد الإجراءات الرسمية، على الرغم من أن تطبيقها لا يزال يفتقر إلى الشمولية.

لكن التحدي الأكبر يبقى في تطبيق هذه الإصلاحات وتحقيق المساءلة. هنا يأتي دور التعاون الدولي، وخاصة مع الدول التي أصبحت مركزًا للاستثمارات اللبنانية. ومع تراجع الولايات المتحدة عن فرض قانون مكافحة الرشوة الأجنبية(FCPA)، ظهرت فرصة فريدة للتعاون بين المملكة المتحدة وفرنسا وسويسرا، هذه الدول لديها سوابق تاريخية في ملاحقة الشركات الكبرى المتورطة في الرشوة، وتسهيل غسيل الأموال، وحماية أصولها وقد أطلقت هذه الدول الثلاث “القوة الخاصة الدولية للمكافحة” في آذار 2023، بهدف تبادل المعلومات والتنسيق في التحقيقات المتعلقة بالرشوة عبر الوطنية وغسل الأموال، ويمكن لهذه القوة الخاصة أن تلعب دورًا حاسمًا في التحقيق في الأصول المسروقة التي تم تحويلها إلى حسابات بنكية سويسرية أو حسابات استثمارية بريطانية أو فرنسية. إن قدرة هذه الهيئات على الوصول إلى السجلات المصرفية والتلاعب القضائي بين الدول يمكن أن تضع ضغطًا هائلاً على المتورطين في لبنان.

بالإضافة إلى التعاون الدولي، يجب على لبنان بناء مؤسسات قضائيّة قوية وقادرة على ملاحقة الجرائم الماليّة. إن وجود محاكم متخصصة في جرائم من هذا النوع، وتدريب القضاة والمحققين على أساليب التحقيق الجنائي المالي، أمر ضروري لضمان المساءلة. كما أن تعزيز دور المنظمات المجتمعية والصحافة الاستقصائيّة، كما فعل مشروعACT، يمكن أن يساعد في تعقب الشبهات ونشر المعلومات التي قد تفتح الباب أمام التحقيقات القضائيةإن محاولة أحد وزرء العدل السابقين في تقديم لوائح اتهام ضد مسؤولين كبار في الماضي، رغم فشله، أظهرت وجود إمكانية للتحرك قضائيًا، وإن كان ذلك يواجه صعوبات هائلة داخل البلاد.

فمكافحة الفساد هي معركة طويلة ومعقدة تتطلب استراتيجية متعدّدة الأوجه. يجب أن تبدأ بالتنفيذ الكامل لتشريعات مثل قانون السرّية المصرفية، ثم الاستفادة من التعاون الدولي لتعقب الأصول المسروقة، وبناء مؤسسات قضائية قوية ومستقلة قادرة على ملاحقة المسؤولين، وزيادة الضغط من المنظمات المجتمعيّة والاعلام الاستقصائي على الرغم من انعدام وجوده على الساحة اللبنانية. إذ يُعتبر إهمال هذا الجانب سيجعل أي إصلاح مالي مجرد بناء على رمال متحركة، حيث أن الفساد سيستمر في استنزاف الموارد الوطنية ويقوض أي جهد لاستعادة الاستقرار والنمو.

حل استباقي ومستدام

إن التحدي الذي يواجه لبنان اليوم لا يمكن معالجته بالحلول الجزئية أو التكتيكية، لأنّ الفجوة المالية العميقة، والانهيار المالي، والفساد الممنهج، هي نتاج لنظام سياسي واقتصادي كلّي فشل في تلبية احتياجات المواطنين وتوجيه موارد البلاد نحو التنمية المستدامة. لذلك، فإن الخروج من هذه الأزمة يتطلب خارطة طريق شاملة وجريئة، تجمع بين المساءلة الماليّة غير الموجودة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي المفقود والمتربط بمضالح سياسيّة، ومحاربة الفساد المستشري بشكل كبير جدًّا بجدية، وبناء نظام مالي جديد يعتمد على الشفافية والمساءلة والمعايير الدولية. إن هذا المسار، رغم صعوبته، هو الوحيد الذي يضمن استقرارًا حقيقيًا ومستدامًا للبلاد.

المرحلة الأولى من هذه الخارطة هي إقرار التشريعات الأساسية التي تشكّل الأساس لأيّ برنامج إصلاحي ناجح. وهذا يعني، أولاً وقبل كل شيء، التوصل إلى توافق حول “قانون الفجوة المالية(Gap Law) ”  بالتنسيق الوثيق مع الصندوق الدولي. ويجب أن يكون هذا القانون مبنيًا على مبدأ “المسؤولية المشتركة” الذي يتبناه، حيث يتحمل المساهمون في البنوك أولًا، ثم الودائع الكبيرة، ثم الدولة اللبنانيّة، وليس بتحميل الخسائر الضخمة والكبيرة لصغار المودعين،فحماية الودائع الصغيرة (أقل من 300,000 دولار) يجب أن تكون حجر الزاوية في هذا القانون، بينما يجب أن تتحول الودائع الكبيرة إلى سندات حكوميّة طويلة الأجل ذات عائد منخفض، كآلية لتقاسم الخسائر بشكل عادل، بالتوازي مع ذلك، يجب تفعيل قانون السرية المصرفية بالكامل، وإنشاء فريق تحقيق خاص مخصص لتعقب الأصول المسروقة والتحقيق في الجرائم المالية، بالاستفادة من التعاون الدولي مع سلطات مكافحة غسل الأموال في دول مثل سويسرا وفرنسا.

المرحلة الثانية، التي يجب أن تبدأ فور إقرار المرحلة الأولى، هي تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف. وأن تبدأ السلطة بإعادة الهيكلة فورًا في تقييم البنوك الفاشلة وإما تصفيتها أو دمجها أو إعادة تمويلها. وفي نفس الوقت، يجب أن تبدأ عملية إنشاء بنك وطني جديد، يعمل على أسس صارمة ومتوافقة مع المعايير الدولية، بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية هذا البنك الجديد يجب أن يكون بمثابة بوصلة الثقة للقطاع المصرفي اللبناني، ويجب أن يتمتع بقيادة مستقلة وخبرة دولية. كما يجب تحديث كافة الأطر التنظيمية، بما في ذلك قانون الإفلاس وقواعد السيولة والرقابة، لتناسب البيئة الجديدة وتحمي الاقتصاد من أي تهديدات مستقبلية…

المرحلة الثالثة هي هيكلة الديون العامة وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الكلي. وأن يشمل هذا البرنامج استراتيجية واضحة لإعادة هيكلة الديون الخارجية والداخلية، مع مشاركة فاعلة من الدائنين الدوليين. كما البدءبإطلاق برامج اجتماعيّة لمساعدة المواطنين الأكثر تضررًا من الأزمة، وتعزيز الشفافية في الإنفاق الحكومي. فاستعادة الثقة في القطاع المصرفي يجب أن تتم بالتوازي مع استعادة الثقة في الدولة والمؤسسات الحكومية،وأن يكون كل قرار اقتصادي جديد مدروسًا بعناية لضمان استدامته وعدم تكرار الأخطاء الماضية.

في الختام، يمكن القول إن لبنان يقف عند مفترق طرق. أمامه طريقان: أحدهما يؤدي إلى استمرار الانهيار المالي والاجتماعي، حيث تستمر الودائع في الجمود، وتستمر المؤسسات الفاسدة في الحفاظ على حصانة، وتتدهور الثقة هبوطًا أكثر فأكثر. أمّا الطريق الآخر هو طريق الإصلاح الجذري والجريء، الذي يتطلب الشجاعة السياسية والروح الوطنية،والتضحية بالفئوية على المدى القصير مقابل تحقيق المصلحة الوطنية على المدى الطويل. إنه يتطلب الاعتراف بأنّ الفشل في الماضي لا يمكن تصحيحه بالحفاظ على الأنظمة الفاسدة والفاشلة، بل بالقضاء عليها وإعادة البناء من جديد. إن الخيار لا يعود الآن إلى ما إذا كنا بحاجة إلى إصلاح، بل إلى ما إذا كنا على استعداد للقيام بذلك بكل ما أوتينا من قوة. إن الفرصة لا تدوم إلى الأبد، وكل يوم يتأخر فيه إقرار هذه الإصلاحات يزيد من تآكل الثقة ويزيد من تكلفة الحل المستقبلي، لأنّ قاعدة عفا الله عمّا مضى ستكون كمسكّن موقّت سيعيد تجربة الافلاس المالي والتدهور الاقتصادي في أسرع وقت وعندها سيكون البكاء وصريف الأسنان وعندها لا يعود ينفع الندم.

ج س

زر الذهاب إلى الأعلى