
يُعدّ الذهب من أغلى المعادن في العالم، ويشكّل ركيزة أساسية وضمانة للتجارة الدولية. وقد أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الذهب لن يخضع للرسوم الجمركية ارتياحًا في الأسواق العالمية، وإن كان هذا الارتياح غير كامل، إذ تطالب سويسرا بأن يكون الأمر مكتوبًا وموثقًا، لا مجرد تصريح. وهنا يطرح السؤال: ما تداعيات فرض رسوم جمركية على الذهب على الاقتصاد العالمي؟
تاريخيًا، تم إعفاء الذهب من الرسوم الجمركية في العديد من الدول دعمًا للاحتياطيات النقدية والتجارة الدولية. ومنذ صدور قانون معيار الذهب عام ١٩٠٠، فرضت الولايات المتحدة قيودًا على استيراد الذهب الحر عام ١٩٣٣، إلى أن سمح الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت بالحيازة الخاصة. وبعد عام ١٩٧١، أصبحت التعريفات على الذهب في حدّها الأدنى وفق جدول التعريفة المنسقة (HTS)، أو مستوردة بالكامل بدون رسوم (٠٪)، فيما تفرض ضرائب أعلى على المنتجات المصنعة مثل المجوهرات بنسبة تصل إلى ٥-١٠٪. أما الاتحاد الأوروبي فألغى الرسوم على الذهب الاستثماري منذ عام ٢٠٠٠ مع وجود استثناءات، بينما تسعى اتفاقات منظمة التجارة العالمية إلى خفض الحواجز التجارية، باستثناء فترات الأزمات مثل العقوبات الروسية على أوروبا عام ٢٠٢٢.
الخبير الاقتصادي ميشال فياض يؤكد أن فرض رسوم جمركية على الذهب “سيكون له أثر بالغ”، موضحًا أن الأسعار العالمية قد ترتفع بنسبة ٥ إلى ١٠٪، ما سينعكس على أسواق المجوهرات، خصوصًا في الهند أكبر المستوردين، وعلى الصناعات الإلكترونية في الصين، وكذلك على استثمارات البورصات مثل بورصة لندن للمعادن (LBMA). كما سيؤدي ذلك إلى الحد من تدفق التجارة العالمية، ودفع بعض المصدرين مثل جنوب أفريقيا وأستراليا إلى البحث عن أسواق بديلة أو اللجوء إلى السوق السوداء، الأمر الذي قد يرفع معدلات التقلب ويؤثر على احتياطيات البنوك المركزية في دول مثل الصين وروسيا.
ويقدّر فياض حجم التأثير المحتمل على التجارة العالمية بين ٥٠ و١٠٠ مليار دولار أميركي سنويًا، مشيرًا إلى أن الرسوم ستؤثر على اتفاقات منظمة التجارة العالمية وتدفع نحو إعادة البيع وتجزئة حركة التبادل التجاري. كما يوضح أن حماية صناعة التعدين المحلية في الولايات المتحدة، التي تنتج ولايتا نيفادا وألاسكا نحو ٥٪ من الإنتاج العالمي، قد تزيد الواردات وتخلق فرص عمل لنحو ١٠ آلاف شخص في القطاع، فضلًا عن إيرادات جمركية محتملة تصل إلى ٢-٣ مليارات دولار أميركي سنويًا عند فرض رسوم بنسبة ١٠٪ على واردات سنوية قيمتها ٢٠-٣٠ مليار دولار أميركي.
ويضيف فياض أن الهدف الأميركي من فرض الرسوم هو تقليل الاعتماد على موردين مثل الصين وروسيا، انسجامًا مع شعار “أميركا أولًا”. غير أن ذلك قد يضر بصناعات أميركية أخرى مثل المجوهرات والتكنولوجيا، ويزيد احتمالات التضخم، ويؤثر على صادرات الذهب الخام الأميركية. كما أن فرض الرسوم قد يضعف مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية ويؤثر على الثقة الدولية بالاقتصاد الأميركي، ما يجعل الفوائد المحتملة محدودة مقارنة بالمخاطر الاقتصادية والدبلوماسية على المدى الطويل.
في الخلاصة، تراجع ترامب عن قرار فرض الرسوم الجمركية على الذهب جنّب الأسواق العالمية هزة كبيرة، لكن السؤال يبقى: هل سيثبت على موقفه، أم يعود لطرح هذه السياسة مجددًا في المستقبل؟

