السعودية وتوازنات النفوذ في سوريا ولبنان

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتداعيات سقوط النظام السوري السابق، بدأت السعودية في إظهار رغبتها في استعادة دورها في سوريا ولبنان، بعد سنوات من الابتعاد عنهما. ورغم هذه الرغبة، تظهر بعض المؤشرات التي تشير إلى أن الرياض لا تزال تتعامل بحذر شديد مع التطورات الجديدة في البلدين.

في الأسابيع الأخيرة، ظهرت تسريبات تشير إلى أن المملكة ترى وجود فراغ سياسي في البلدين، لا سيما في سياق تراجع الحضور الإيراني. ولكن تظل العديد من التساؤلات قائمة حول حقيقة هذه الحالة، مما يتطلب من السعودية أن تتخلى عن موقف الحذر إذا كانت لديها رغبة حقيقية في التدخل.

بحسب مصادر سياسية متابعة، يشير البعض إلى أن السعودية قد أطلقت مبادرة جزئية في سوريا ولبنان، ولكنها تراقب كيفية الرد عليها قبل اتخاذ أي خطوات إضافية، وفقًا لاستراتيجيتها التي ترفض اتخاذ خطوات غير مدروسة. هذه الاستراتيجية تأتي في وقت تعاني فيه الساحتان من تحديات مالية واقتصادية كبيرة.

وتؤكد المصادر السياسية ضرورة مراقبة التطورات في كلا البلدين في الفترة القادمة، لفهم كيفية تعاطي الرياض مع الوضع الراهن. فالمشهد الإقليمي لم يتضح بالكامل بعد، خصوصًا في ظل ما يتعلق بمشروع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومواقفه السياسية في المنطقة.

في الساحة السورية، ظهرت معالم تعزيز سلطة أحمد الشرع، المدعوم من تركيا وقطر، بعد أن أعلن رئيسًا مؤقتًا للبلاد. هذا يأتي وسط صراع خفي بين مختلف اللاعبين الدوليين والإقليميين. أما في لبنان، فلا يمكن الحديث عن توازنات جديدة قبل الانتخابات النيابية المقبلة في عام ٢٠٢٦، رغم بعض التغيرات في السلطة بعد انتخاب رئيس الجمهورية، جوزاف عون، وتسمية نواف سلام رئيسًا للحكومة.

بناءً على ذلك، ترى الأوساط السياسية أنه من غير المنطقي أن تكون هناك حالة فراغ سياسي في الساحتين اللبنانية والسورية يمكن للسعودية الاستفادة منها بسهولة. بدلاً من ذلك، قد ترى المملكة فرصة لحجز مكان لها في كلا البلدين، خاصة في ظل بعض المؤشرات التي تدل على تقبل هذا الوجود.

وفي هذا السياق، تشير الأوساط إلى أن السلطة الجديدة في سوريا، رغم وجود تأثير تركي واضح، تظهر رغبتها في الحصول على دعم السعودية، وهو أمر لا ينفصل عن رغبة أنقرة في تجنب التصادم مع الرياض. لكن من غير المتوقع أن تتخلى تركيا عن نفوذها لصالح السعودية. وفي لبنان، فإن الصراع القائم حول تشكيل الحكومة يسلط الضوء على معادلة التوازنات السياسية المستمرة.

في الختام، توضح الأوساط السياسية أن الرياض تفضل التعامل على أساس الدولة مع الدولة، بدلاً من الاعتماد على الأطراف المحلية. ومع ذلك، فإن الساحة في كل من سوريا ولبنان لا تزال مجالًا لتقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، ما قد يدفع السعودية إلى مراجعة استراتيجيتها المستقبلية.

زر الذهاب إلى الأعلى