مشهد الأحد ورسائل حزب الله المتعددة

شهد يوم الأحد حدثًا لافتًا جنوب لبنان، حيث احتشد السكان في مشهد استثنائي استعاد ذكريات التحرير في عام ٢٠٠٠. تجمّع الأهالي بعد انتهاء مهلة الستين يومًا التي حدّدها اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، ليعبّروا عن رفضهم استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقراهم الحدودية.

كان الحضور الشعبي العفوي في الواجهة، بينما بقي “حزب الله” في الخلفية، ما أظهره كأكبر المستفيدين من هذا المشهد. فخلال شهرين من السجالات السياسية والميدانية، لم يتمكّن الحزب من إقناع الجميع بسردية “الانتصار”، لكن مشهد الأحد أعاد الزخم لهذه السردية.

رغم أنّ “حزب الله” تجنّب التصدر المباشر للمواجهة، إلا أنّه استغل اللحظة لتوجيه رسائل سياسية متعددة، داخليًا وخارجيًا. في بيانه الصادر مساءً، استعاد الحزب ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، مؤكدًا أنّها ليست مجرّد كلمات عابرة، بل تمثّل نهجًا ثابتًا في سياسته، رغم الانتقادات التي واجهتها هذه المعادلة.

ورغم الزخم الذي أضفته الاحتجاجات الشعبية على الأرض، لم يخلُ المشهد من بعض التعقيدات. فالمسيرات الليلية التي جابت مناطق لبنانية عدّة أثارت علامات استفهام، خصوصًا أنها حملت طابعًا “استفزازيًا” في بعض الأماكن، وهو ما أثار مخاوف من أن يكون الحزب يستثمر هذا الحراك لتحقيق مكاسب سياسية، أو لإعادة فرض شروطه على الساحة الداخلية.

في السياق، اعتبر البعض أنّ إسرائيل أخطأت استراتيجيًا بتمديد احتلالها للقرى الجنوبية بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، وهو ما دفع الأهالي للتحرك مباشرة، معيدين بذلك أجواء المقاومة الشعبية إلى الواجهة. وبهذا، تمكّن “حزب الله” من توظيف اللحظة لاستعادة مكانته، بعد سلسلة من التحديات السياسية، التي كان آخرها القبول بتسويات داخلية أثارت استياء في أوساط مؤيديه.

أما في الأروقة السياسية، فإنّ بيان الحزب الذي صدر بعد المشهد المهيب حمل رسالة واضحة: رغم كل الظروف، يبقى “حزب الله” لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه. وجاء استحضار معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” عشية تشكيل حكومة جديدة ليعيد النقاش حول دورها في البيان الوزاري، خصوصًا في ظل متغيرات الحرب الأخيرة.

ورغم ذلك، يرى مراقبون أنّ الحزب بحاجة إلى تعزيز التضامن الوطني بدلًا من إثارة الاستقطاب السياسي. فالرهان على فرض الرؤية بالقوة أو الإقصاء لم يعد يجدي نفعًا، في ظل التحديات التي تواجه لبنان على مختلف المستويات.

في النهاية، مشهد الأحد لم يكن حدثًا عاديًا، بل محطة محورية في المشهد السياسي والميداني. وبينما يسعى “حزب الله” إلى تعزيز مكاسبه السياسية، يبقى التحدي الأكبر في كيفية تحقيق توازن بين رسائله السياسية والحفاظ على وحدة الصف الوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى