سياسة الشرق الأوسط إدارة للمخاطر أكثر منها إدارة للسلام

يعيش الشرق الأوسط حالة من “اللاحرب” المتوترة، في خريف ٢٠٢٥، حيث تختبئ نيران التصعيد خلف واجهات وقف إطلاق النار، وتبقى التفاهمات هشّة وعرضة للخرق. غزة وجنوب لبنان تحت نيران متقطعة، فيما سوريا لم تعد ساحة نفوذ إيراني أو مسرحًا لسياسة النظام القديم، بل باتت تحت سلطة سياسية وأمنية جديدة قلبت موازين الداخل والخارج.

في هذا السياق، تعيد تل أبيب صياغة استراتيجيتها تجاه دمشق، وتراقب بحذر التغيرات الميدانية والسياسية في المنطقة.

في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة عام ٢٠٢٣، تم تثبيت اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس”، برعاية مصرية وقطرية. إلا أن هذا الاتفاق لا يزال معلّقًا على قضايا عالقة، أبرزها ملف جثث الجنود الإسرائيليين جرّاء الحرب الأخيرة بين الفريقين، والتي تستخدمها حماس كورقة تفاوض أساسية.

إسرائيل، من جهتها، تتهم الحركة بالتلكؤ في هذا الملف، وتبرر خرقها المتكرر لوقف إطلاق النار بشن غارات محدودة تستهدف ما تسميه “بنية تحتية إرهابية”. الغارات لا تأخذ طابع التصعيد الشامل، لكنها تكسر الهدنة عمليًا وتبقي الأوضاع في القطاع في حالة طوارئ مستمرة.

على الأرض، الوضع الإنساني لا يزال مأزومًا. الحصار مستمر، والإعمار يتعثر، والبطالة تبلغ مستويات قياسية، فيما تعاني المنظمات الدولية من صعوبات في إيصال المساعدات. ورغم انخفاض مستوى العنف المباشر، فإن الاحتقان الشعبي والسياسي داخل القطاع يتراكم بلا مخرج واضح.

أما في الجنوب اللبناني فمنذ ربيع عام ٢٠٢٤، توقفت العمليات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بعد وساطات غير معلنة قادتها فرنسا وأطراف عربية، أفضت إلى تفاهم غير رسمي بوقف إطلاق النار. لكن هذا التفاهم بقي أحادي الجانب في ممارسته، إذ يلتزمه الحزب، فيما تواصل إسرائيل تنفيذ غارات جوية تستهدف جنوب لبنان بشكل متقطع.

الطائرات الإسرائيلية تغير بانتظام على سيارات مدنية أو دراجات نارية يُزعم أنها تقل عناصر من الحزب، كما استهدفت في بعض الحالات مبانٍ مدنية في مناطق الجنوب، بحجة استخدامها لأغراض عسكرية. حزب الله، في المقابل، يعتمد سياسة “ضبط النفس”، ويحتفظ بحق الرد المؤجل دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

هذه المعادلة تعكس توازنًا حساسًا، يُبقي الجنوب اللبناني في حالة ترقّب دائمة، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود الصبر الاستراتيجي للحزب، وحول ما إذا كانت إسرائيل تختبر قواعد الاشتباك أو تسعى لتعديلها تدريجيًا دون اتفاق واضح.

وفي هذا السياق، تبقى الضغوط الدولية على لبنان لادخاله في حوار مباشر مع اسرائيل بظل تهديدات الاخيرة بالتصعيد في حال عدم تسليم سلاح الحزب.

أمّا التغيير الأكبر في خريطة الشرق الأوسط خلال العام الفائت كان سقوط نظام بشار الأسد، وانتهاء فعلي لمرحلة النفوذ الإيراني في سوريا. في أعقاب انهيار النظام، انتقلت السيطرة الفعلية على دمشق وعدد كبير من المحافظات إلى الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، الذي فرض معادلة سياسية وأمنية جديدة، مدعومة بتحالفات داخلية، وعلاقات متغيرة مع أطراف إقليمية.

تل أبيب، التي كانت لعقود تتعامل مع دمشق من منظور ثابت يتمحور حول “العدو الذي تعرفه”، وجدت نفسها أمام سلطة جديدة غير واضحة التوجهات، لكن مختلفة كليًا عن النظام السابق. فالجولاني، الذي بُنيت صورته السابقة كـ”جهادي”، يقود اليوم كيانًا سياسيًا يحاول تقديم نفسه كسلطة شرعية ومنظمة.

اللافت أن العلاقة بين الشرع وتل أبيب لا تُعرَف بعد بطبيعتها الدقيقة، لكن المؤكد أن هناك قنوات اتصال غير مباشرة جرى فتحها خلال الأشهر الماضية، عبر وساطات دولية وربما إقليمية. إسرائيل من جهتها تراقب ما إذا كانت دمشق الجديدة ستلتزم بقواعد اشتباك واضحة، خصوصًا على جبهة الجولان، في ظل غياب إيران وميليشياتها عن المشهد.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على نية الشرع فتح جبهة ضد إسرائيل الّتي استغلت سقوط نظام الاسد واحتلّت اراضٍ جديدة في سوريا، وابادت ما بقي من مقوّمات لدى الجيش السوري السابق، إذ يركّز حكمه على الضبط الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الحوكمة في سوريا الجديدة، خاصة في الشمال والوسط. لكن غياب صيغة رسمية أو اتفاقات واضحة، يجعل من الجبهة الجنوبية لسوريا أرضًا مفتوحة لكل الاحتمالات، ولو على المدى المتوسط.

الى ذلك فإنّ التطورات على الأرض لا تشير إلى انفراج قريب. فالمعادلات القائمة –سواء في غزة، جنوب لبنان أو سوريا الجديدة– تُدار بالوساطات والموازنات، لا بالاتفاقات المستقرة. ومع غياب أي مشروع تسوية حقيقي، تبقى المنطقة تحت خطر انفجارات مفاجئة، سواء نتيجة خطأ في التقدير، أو تغيير في المعادلات الإقليمية.

في ظل هذه البيئة المتقلبة، تتحول السياسة في الشرق الأوسط إلى إدارة للمخاطر أكثر منها إدارة للسلام، ويظل المواطن العادي هو من يدفع الثمن الأعلى لهذا الاستنزاف المستمر.

ج.س

زر الذهاب إلى الأعلى