بين الضعف الداخلي والتفوق الإسرائيلي: مشهد لبناني مأزوم

لم يعد المشهد اللبناني الإسرائيلي يشبه ما كان عليه قبل عقدين من الزمن. لم تعد جولات التوتر تقتصر على أيام معدودة يعقبها هدوء شكلي وادعاء كل طرف أنه خرج منتصرًا. اليوم، يواجه لبنان واقعًا مختلفًا كليًا، مع تغيّر جذري في موازين القوى الإقليمية وتراجع واضح في حضوره الدبلوماسي. هذا التحوّل، المستمر منذ أكثر من سنتين، جعل من الساحة اللبنانية ساحة اختبار مفتوحة أمام الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، التي تقوم على تكريس التفوق وردع أي محاولة لبنانية للمواجهة.

تتعامل إسرائيل بوضوح وثقة مع الموقف، مستخدمةً سلسلة من الاعتداءات اليومية، واغتيالات ممنهجة، وتحليقًا متواصلًا للطائرات المسيّرة فوق الأراضي اللبنانية، إلى جانب مناورات عسكرية على الحدود. هذه الممارسات لم تعد تُدرج ضمن ردود الفعل، بل أصبحت نهجًا ثابتًا هدفه تثبيت معادلة الردع الأحادي. في المقابل، يظهر لبنان في موقع العجز، وسط انقسام داخلي وتراجع دعم المجتمع الدولي، الذي يتعامل ببرود مع كل انتهاك تمارسه إسرائيل.

الاعتداء الأخير على قوات اليونيفيل شكّل نموذجًا صارخًا لهذا النهج. فبينما يُعتبر الهجوم خرقًا صريحًا للقانون الدولي، اكتفت الدول المعنية بمواقف خجولة، ما عزّز شعور إسرائيل بأنها صاحبة اليد العليا دبلوماسيًا. الرسالة واضحة: لبنان متروك لمصيره، والمجتمع الدولي لن يتدخل بشكل فعّال حتى في حال التصعيد.

أما على صعيد السياسة الأميركية، فإن وصول السفير الأميركي ميشال عيسى يأتي ضمن سياق استمرار النهج القائم على الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، من دون وسطاء. وبعد فشل المبعوثين السابقين توماس براك ومورغان أورتاغوس في تحقيق تقدم، يبدو أن واشنطن باتت ترى أن الحل الوحيد هو التفاوض الثنائي، بما يكرّس تفوق إسرائيل العسكري والدبلوماسي، ويحظى في الوقت نفسه بقبول عربي ضمني، تُجسّده مشاركة مصر في هذا المسار.

من الناحية الميدانية، تتجنب إسرائيل أي مواجهة برية مباشرة مع لبنان، مفضّلةً الاستنزاف عبر القصف الجوي والبحري. هذا الخيار يحقق لها هدفين في آنٍ واحد: الحفاظ على أمنها الداخلي، وإضعاف لبنان اقتصاديًا ونفسيًا من دون كلفة بشرية عالية. إنها حرب استنزاف باردة ومستمرة تهدف إلى تركيع الخصم تدريجيًا.

أما حزب الله، الذي شكّل في السابق عامل توازن في المعادلة، فيواجه اليوم ضغوطًا داخلية وخارجية غير مسبوقة تقلّص من هامش تحركه. ومع قبول إقليمي ضمني بالتهديدات الإسرائيلية، يجد لبنان نفسه أمام مأزق استراتيجي، في وقت تتراجع فيه فعالية تحالفاته الإقليمية وقدرته على الردع.

النتيجة واضحة: لبنان يعيش مرحلة عزلة تكاد تكون كاملة، فيما تنجح إسرائيل في فرض معادلة جديدة قوامها الردع المطلق، مدعومة بغطاء دولي وصمت عربي. لم يعد الردع متبادلًا كما في السابق، بل تحوّل إلى تفوق إسرائيلي مطلق يقابله ضعف لبناني داخلي غير مسبوق. فهل يستطيع لبنان التكيّف مع هذا الواقع الجديد أم أن الانحدار مستمر نحو مرحلة أكثر قسوة؟

زر الذهاب إلى الأعلى