
بعد عام على توقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان، لا يبدو أن البلاد دخلت مرحلة هدنة مكتملة. فالغارات والخروقات الإسرائيلية ما زالت تتكرر شبه يوميًا، ما جعل الاتفاق الذي أوقف الحرب إطارًا هشًا أكثر منه تسوية دائمة. بالنسبة لإسرائيل، أصبح الاتفاق وسيلة تسمح لها بالتحرك تحت عنوان “الردع الوقائي”، بينما يراه لبنان مرحلة انتقالية لتنظيم ما بعد المواجهة.
وعلى الرغم من مرور الوقت، ما زال الحديث عن جولة جديدة من الحرب حاضرًا بقوة، فالعوامل التي أدت إلى اندلاعها لم تتغيّر: سلاح “حزب الله”، الوضع الأمني في الجنوب، طبيعة الدور الدولي، وحجم تأثير القوى الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، كلها ملفات لم تُحسم.
في هذا المشهد، تبرز لجنة “الميكانيزم” كأحد عناصر الجدل. كانت اللجنة في أصلها إطارًا تقنيًا لضبط الخروقات، إلا أن تعيين السفير السابق سيمون كرم على رأس الوفد اللبناني أدخل بُعدًا سياسيًا جديدًا غير مسبوق منذ أربعة عقود، ما جعلها تتحول إلى منصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بدلاً من مجرد إدارة وقف النار.
“حزب الله” أبدى اعتراضه على خطوة تعيين شخصية مدنية، معتبرًا أنها تمنح إسرائيل مكسبًا مجانيًا وتعرّض الملف للتدويل السياسي، بدل أن يبقى في نطاق عسكري مضبوط. ومع ذلك، لم يغير الحزب حتى الآن نهجه القائم على ضبط النفس، رغم الانتقادات المتبادلة على الساحة الداخلية.
ويستند الحزب في مقاربته إلى أنه التزم بوقف النار حرفيًا، بينما استخدمته إسرائيل كمرحلة لإعادة التموضع والاستمرار في الضغط بطرق أخرى. ويرى الحزب أن أي تعديل في تركيبة اللجنة أو صلاحياتها يُفهم كإقرار بموازين جديدة تُفرض قسرًا وليس نتيجة تفاوض متوازن.
التوتر لا يقتصر على الداخل اللبناني فقط، بل يمتد إلى طاولة الدول المؤثرة في الملف. فإسرائيل تعمل على دفع مقاربة جديدة للجنوب تشمل ترتيبات أمنية موسعة وربما مناطق عازلة أو نماذج أمنية مشابهة لتجارب إقليمية أخرى. وفي المقابل، تنشط عواصم غربية، وفي مقدّمها باريس، لطرح مقترحات تضمن هدوءًا طويل الأمد بصيغ جديدة تتجاوز مهام القوات الدولية الحالية.
أما الحكومة اللبنانية، فهي تتحرك بين سقف الحزب من جهة ومتطلبات الخارج من جهة أخرى، في محاولة للحفاظ على صورة “دولة تفاوض باسم الجميع” دون أن تصطدم بقوة القرار الداخلي أو تستفز الأطراف الدولية. هذا التوازن الدقيق يجعل الإجابة عن سؤال: من يمتلك القرار الفعلي؟ مسألة معقدة، إذ تتداخل ثلاثة مستويات: قرار الحزب، قرار الدولة، وقرار القوى الخارجية.
النتيجة حتى الآن تبدو أشبه ببقاء لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب شاملة تغيّر المشهد بالكامل، ولا سلام واضح المعالم ينهي حالة الاشتباك. ما يحدث هو اختبار طويل لمدى قدرة لبنان على الصمود وسط صراع إرادات أكبر منه، فيما يبقى الجنوب ساحة تُرسم فيها خرائط النفوذ قبل أن تُكتب على الورق.

