
عاد ملف السلاح الفلسطيني في لبنان إلى دائرة النقاش السياسي والأمني بعد قيام حركة فتح بتسليم جزء من أسلحتها في مخيم برج البراجنة ببيروت. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها بداية مسار لنزع السلاح غير الشرعي، أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الفلسطينية واللبنانية على حد سواء.
مصادر متابعة أكدت أن الخطوة تُترجم عملياً الاتفاق الذي عُقد بين الرئاسة الفلسطينية والدولة اللبنانية في أيار الماضي، والذي شدّد على حصرية السلاح بيد الدولة. ورغم غياب الإعلان المسبق، إلا أن متابعة لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني برئاسة السفير رامز دمشقية، عكست وجود آلية تنفيذية غير معلنة لتجنّب أي عرقلة، مع جدول زمني غير مُصرّح به.
لكن ما زاد الغموض هو طبيعة السلاح الذي سُلّم، إذ أشار مسؤول في فتح إلى أنه يعود لمسؤول مفصول من الحركة، الأمر الذي يجعله أقرب إلى شأن داخلي تنظيمي، في حين حاولت القيادة الفلسطينية إضفاء طابع رسمي على العملية واعتبارها بداية حقيقية لنهج جديد.
اعتراضات وانقسامات
الخطوة لم تمرّ بهدوء، إذ أبدت فصائل فلسطينية معارضة لحركة فتح اعتراضها الواضح، وأصدرت بياناً باسم “الفصائل الفلسطينية” بدلاً من “تحالف القوى الفلسطينية”، ما اعتُبر مؤشراً إما على تباين داخلي أو على انضمام قوى من منظمة التحرير، مثل الجبهة الشعبية، إلى الموقف الرافض.
مصادر فلسطينية رأت أن الاعتراض مردّه إلى انفراد فتح بالقرار من دون تشاور مع بقية الفصائل، إضافة إلى توقيت الخطوة الذي تزامن مع زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي توم باراك والمسؤولة مورغان أورتاغوس إلى بيروت، ما وضع حركتي حماس والجهاد الإسلامي في موقف محرج أمام حلفائهما، وعلى رأسهم حزب الله.
هل هي بداية لمسار شامل؟
السؤال المطروح اليوم: هل كان ما جرى مجرد مصادرة لسلاح فردي مرتبط بخلاف تنظيمي، أم أنّه خطوة أولى ضمن مسار أوسع لنزع السلاح من المخيمات؟
الجواب سيظهر في الأيام المقبلة، خصوصاً إذا استكملت حركة فتح وقوات الأمن الوطني تسليم أسلحة في مخيمات أخرى، لا سيما جنوب نهر الليطاني. حينها فقط يمكن القول إن مسار نزع السلاح بدأ فعلياً. أما إذا توقفت العملية عند حدود برج البراجنة، فستبقى ضمن إطار داخلي ضيّق.
خلفية تاريخية للسلاح الفلسطيني
١. في اتفاق القاهرة ١٩٦٩، مُنحت الفصائل الفلسطينية شرعية العمل العسكري انطلاقاً من المخيمات.
٢. مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥، تعاظم النفوذ العسكري الفلسطيني، ما دفع إلى إصدار القانون ٢٥/١٩٨٧ لإلغاء اتفاق القاهرة.
٣. في اتفاق الطائف ١٩٨٩، أُدرج بند نزع سلاح الميليشيات كافة، وإن لم يُذكر السلاح الفلسطيني صراحة.
٤. في ٢٠٠٤ صدر القرار الدولي ١٥٥٩ داعياً إلى حل ونزع سلاح كل المجموعات المسلحة.
٥. بعد انسحاب الجيش السوري عام ٢٠٠٥، ظل السلاح الفلسطيني خارج المخيمات قائماً، خصوصاً على الحدود السورية–اللبنانية وفي الناعمة، وصولاً إلى طاولة الحوار الوطني عام ٢٠٠٦ التي لم تُنفّذ توصياتها.
٦. القرارات الدولية ١٦٨٠ و١٧٠١ (٢٠٠٦) أعادت التأكيد على هذا المسار، وتبعتها تعديلات في ٢٠٢٤ نصّت على نزع السلاح جنوب الليطاني بما يشمل مخيمات: الرشيدية، البص، والبرج الشمالي.
وفي ٢٠٢٥، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون أنّ العام الحالي سيكون عاماً لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، في إشارة واضحة إلى إنهاء أي وجود مسلح خارج الشرعية، بما فيه السلاح الفلسطيني.

