
تطفو على سطح الدبلوماسية الإقليميّة فكرة التطبيع بين لبنان وإسرائيل كأحد أهداف السياسة الأميركية الطموحة، خاصة بعد “اتفاقات أبراهام” (٢٠٢٠) التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل ودول عربية عدة. لكن المسار اللبناني يبدو الأكثر وعورةً وتعقيدًا، نظرًا للسياقات التاريخية والسياسية والأمنية الفريدة التي تحكم الفريقين.
في هذا السياق، تسعى الإدارة الأميركية، وفقًا لاستراتيجية معلنة، إلى توسيع دائرة التطبيع في الشرق الأوسط، مستفيدةً من التحولات الجيوسياسية الأخيرة. فـ”قانون تطبيع العلاقات مع إسرائيل” (٢٠٢١) يوجب على الحكومة الأميركية تطوير خطة شاملة لتعزيز هذه الاتفاقيات، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والأمني. ووفقًا لتحليلات “ذا أتلانتيك كاونسل”، فإن التطبيع السعودي المحتمل (رغم تعثره بعد ٧ تشرين الأول-عملية طوفان الاقصى) يُعد حجر الزاوية في هذه الرؤية، حيث يربط واشنطن بين ضمانات الدفاع للرياض والتقدم في الملف الفلسطيني.
التطبيع شبه مستحيل؟
إنّ إرث الصراع العسكري بين لبنان واسرائيل لا يزال مستعرًا منذ اندلاع اول صدام بين الاثنين خلال القرن الماضي واستمر خلال العقدين الماضيين بطريقة شرسة، لا سيّما ان تل أبيب لديها مطامع عدوانيّة مغلّفة باطار التطبيع والسلام في المنطقة، وهذا الإرث له أسباب عدّة:
١-لا تزال الحدود البرية والبحرية بين البلدين ساحة نزاع، خاصة حول حقول الغاز في البحر المتوسط، حيث تريد إسرائيل ترسيم الحدود ووضع اليد عليهه لاستغلالها.
٢-وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية يعقّد أيّ تفاوض مباشر. والحزب، يرفض أي تطبيع قبل حلّ القضيّة الفلسطينيّة، ويعتبر المقاومة شرعيةً ضد “اسرائيل”.
ويُعد الموقف من الدولة العبرية أحد محاور الانقسام في المشهد اللبناني. بينما ترفض أغلب القوى السياسية (بما فيها المسيحية المؤثرة) التطبيع دون تسوية شاملة، توجد أصوات محدودة تدعو لـ”سلام اقتصادي” لإنقاذ الاقتصاد المنهار.
قضية اللاجئين
يوجد في لبنان الالاف من اللاجئينالفلسطينيين في لبنان، وتصر الأحزاب الرئيسيّة على حق العودة كشرط لأيّ حل دائم، وهو ما ترفضه إسرائيل جملةً وتفصيلًا.
وفي هذا السياق يبدو ان اندلاع نزاع مسلح لا يزال واردا رغم الضربات الموجعة الّتي تلقاها حزب الله في حال فشل المفاوضات أو فرض التطبيع دون ضمانات، وقد يشعل ذلك مواجهات على الحدود، خاصة مع التصريحات الإسرائيلية حول ضرورة “إزالة تهديد حزب الله”، سواء عبر التفاوض أو الحرب.
وهذا الامر يحمل وجهًا بشعًا أيضًا للبلد لاشعال فتيل أزمة سياسية حيث ان أي تلميح لقبول التطبيع قد يُفجّر الاحتجاجات الشعبيّة ويهدد الاستقرار الهشّ أصلاً. فالشارع اللبناني ما زال يعتبر إسرائيل “عدوًا احتلاليًا”، خاصة بعد حرب ٢٠٠٦ وغاراتها المتكررة على الجنوب. ولعدم التزامها باتفاقات وقف اطلاق النار مؤخّرًا واحتلال التلال الخمس جنوبا.
وقد يدفع الفشل إيران وحلفاءها إلى تصعيد المواجهة غير المباشرة مع إسرائيل، مستخدمة لبنان ساحةً لها، كما حدث في نيسان ٢٠٢٤ عند تبادل القصف بين الجانبين.
كيف يمكن أن ينجح التطبيع؟
رغم التعقيدات، ثمة مسارات غير مباشرة قد تمهد لأرضية مشتركة:
-التسوية الحدودية أولاً حيث تركز الوساطة الأميركية الحالية على ترسيم الحدود البحرية والبرية، وهو ما بدأته المفاوضات غير المباشرة عام ٢٠٢٢ برعاية واشنطن. وقد يفتح نجاح هذا الملف بابًا للتعاون في استغلال الغاز، مما ينعش الاقتصاد اللبناني.
-الحوافز الاقتصادية لجهة تقديم الولايات المتحدة ودول خليجية منحًا ماليةً للبنان مقابل خطوات تطبيعية تدريجية، مثل فتح المجال الجوي أو التعاون البيئي، كما حدث في “اتفاقات أبراهام”.
-ضمانات أميركية، وهنا لبّ المشكلة، فقد تقدم واشنطن ضمانات أمنية للبنان (مثل الدعم العسكري غير المباشر) مقابل نزع سلاح حزب الله أو تقليص نفوذه، لكن هذا يبدو بعيدًا في المدى المنظور، حيث أن التجارب سابقا أثبتت أن الولايات المتّحدة والّتي هي الأساس في اي اتفاق لوقف اطلاق النار تركت اسرائيل تسرح وتمرح بخروقاتها دون فعل أي شيء ملموس لضبطها.
معلومات “مخفية”
تعمل الدبلوماسية الأميركية، وفقًا لتقارير، على مستويين:
-العلني عبر التنسيق مع الوسيط الدولي في لبنان لدعم المفاوضات الحدودية وتبادل الأسرى.
-غير المعلن عبر الضغط على الدول المانحة (خاصة الخليجية) لربط المساعدات للبنان بتقدم ملف التطبيع. ومحاولة استقطاب القوى المسيحية اللبنانية عبر وعود بدعم دور سياسي أكبر، مقابل تليين موقفها من إسرائيل.تهديد تلّ أبيب بعقوبات إذا شنت حربًا على لبنان، كما ورد في تصريحات مسؤولة أميركية سابقة حول “تقييد استخدام الأسلحة الأميركية”.
معادلة مستحيلة…
التطبيع بين لبنان وإسرائيل يشبه المشي في حقل ألغام: أطراف متعددة، ذاكرة دموية، ومصالح متضاربة. رغم ذلك، قد تنجح واشنطن في تحقيق “تطبيع بارد” يركز على الحدود والاقتصاد، متجاوزًا القضايا العالقة كاللاجئين وحلّ معضلة النازحين السوريين الّذين باتوا يشكّلون خطرا داهما ببقائهم على الاراضي اللبنانية اضافة لموضوع السيادة. لكن أي تسوية ستظلّ هشة ما دامت إسرائيل ترفع شعار “تهجير الفلسطينيين” من غزة، وما دامتبيروتتعاني من انقسام يجعل “العدو” جزءًا من تعريفها الوطني. فالسيناريو الأرجح هو نجاح جزئي في ترسيم الحدود مع فشل ذريع في تحقيق سلام شامل، مما يبقي الباب مفتوحًا لانفجار جديد قد يكون الأكثر دمويةً منذ ٢٠٠٦ والحرب الأخيرة الّتي أدّت الى اغتيال كبار قادة حزب الله، ولا تزال الاغتيالات جارية حتى اليوم دون أي رادع دولي فاعل.
ج.س

