
في اللحظة التي كان أغلب المتابعين يترقبون تصعيدًا عسكريًا طويل الأمد بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجميع، فجر يوم الجمعة في ٢٣ حزيران، بالإعلان عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، وذلك بعد ساعات قليلة على استهداف إيران لقاعدة العديد الجوية في قطر.
هذا الإعلان، الذي جاء دون مقدمات، ساهم في تهدئة الأوضاع وتجنّب المنطقة خطر التورط في حرب شاملة، كانت لتؤثر على معظم دول الجوار. إلا أن الاتفاق لم يبدّد الأسئلة الكثيرة التي ما زالت الإجابات عنها غامضة حتى الآن.
من أبرز علامات الاستفهام المطروحة تدور حول طبيعة الضربة الإيرانية على قاعدة العديد، حيث تشير بعض التحليلات إلى احتمال تنسيق مسبق بين طهران وواشنطن والدوحة، ما يفتح باب التساؤل حول خلفياتها الحقيقية. الأهم من ذلك، تبقى الأسس التي بُني عليها اتفاق وقف إطلاق النار، والتي ستحدد مسار المرحلة المقبلة: هل هي مقدمة لتسوية شاملة، أم مجرد هدنة مؤقتة؟
في هذا السياق، يُطرح ملف البرنامج النووي الإيراني بقوة، خاصة في ظل تضارب التقارير حول مدى تضرّر المنشآت النووية بعد الضربات الأميركية. كما أن مسألة “حق التخصيب” تعود إلى الواجهة مجددًا، وقد تكون نقطة الانعطاف الحاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على استقرار دائم أم مواجهة جديدة.
وتشير بعض التسريبات إلى إمكانية دخول أطراف دولية، مثل روسيا، على خط الوساطة، خصوصًا فيما يتعلق بإيجاد صيغة مقبولة لمسألة التخصيب. في المقابل، تبقى الصواريخ التي استهدفت العمق الإسرائيلي حاضرة في الحسابات، وتضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام خيارين: إما الاكتفاء بما تحقق حتى الآن، أو إعادة إشعال الجبهة.
هذا التوتر يتقاطع مع تساؤلات أوسع حول دور إيران المستقبلي في المنطقة. فبين تراجع نفوذها في فلسطين وسوريا، واحتفاظها بحضور فعّال في لبنان والعراق واليمن، تبدو أي تسوية إقليمية شاملة مرهونة بتحديد طبيعة هذا الدور، وتبعاته على حلفائها الذين لم ينخرطوا بشكل مباشر في الحرب الأخيرة، لأسباب متعددة، من بينها ظروفهم الداخلية وتعقيدات الواقع السياسي.
وبينما ترفض أطراف إقليمية فاعلة عودة إيران إلى دعم حلفائها عسكريًا، تظل الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معادلة معقدة: هل سيتم السماح لطهران بإعادة بناء نفوذها، أم سيتم السعي لتحجيمه بالكامل؟
في المحصلة، لا تزال الإجابات غير واضحة، لكن الثابت أنّ مفتاح المرحلة المقبلة يكمن في تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار نفسه. فهل سيكون ذلك الاتفاق بوابة إلى تسوية سياسية شاملة، أم مجرّد هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من المواجهات؟

