
لم يعد مجديًا التظاهر بأن إسرائيل لم تفرض سيطرتها على لبنان، بغض النظر عن الدعم الذي تلقته من الإدارات الأميركية المتعاقبة، ومن بعض الدول الغربية والعربية. صحيح أن المسؤولية لا تقع على هذه الأطراف فقط، بل إن حزب الله، الذي لطالما كان بارعًا في قراءة المتغيرات، أخطأ هذه المرة في تقدير المشهد. ومع غياب أمينه العام السابق، السيد حسن نصر الله، فقد الحزب كثيرًا من زخمه وتأثيره، مما سمح لإسرائيل بترسيخ هيمنتها بطرق مختلفة.
اليوم، لا ينفع تبادل الاتهامات أو التباكي على الماضي، فلبنان يواجه أزمة وجودية حقيقية بسبب السيطرة الإسرائيلية، سواء عبر الاحتلال المباشر أو النفوذ السياسي والعسكري الممتد. صحيح أن الأصوات اللبنانية تعلو للمطالبة بانسحاب إسرائيلي من الأراضي التي احتُلت مؤخرًا بعد تمديد اتفاق وقف الأعمال القتالية، إلا أن التساؤلات تبقى قائمة حول مصير المناطق المتنازع عليها مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وحول قدرة لبنان الفعلية على استعادة سيادته.
إسرائيل لا تحتاج إلى وجود عسكري مباشر للسيطرة، فهي تخترق المجال الجوي والبحري والبري اللبناني يوميًا، من دون رادع أو مبرر واضح، كما شهدنا خلال تشييع الأمينين العامين لحزب الله. والأخطر أن المسؤولين الإسرائيليين، وبدعم أميركي كامل، يؤكدون علنًا أنهم يتحكمون في الوضع داخل لبنان بحرية مطلقة. أضف إلى ذلك، أن النفوذ الأميركي–الإسرائيلي يحدد مسار كل شيء في لبنان، من المعدات العسكرية إلى الحركة الملاحية، فماذا ينفع انسحاب إسرائيلي إذا كانت السيطرة قائمة من خارج الحدود؟
قد يرى البعض أن الهيمنة الغربية الحالية أفضل من النفوذ الإيراني أو السوري السابق، لكن في الحقيقة، لا يمكن اعتبار الانتقال من وصاية إلى أخرى حلاً. ما نشهده اليوم هو إعادة توزيع لموازين القوة، حيث بات من شعر بالهامشية في السابق أكثر قوة، والعكس صحيح. هذا الواقع الجديد يؤكد أن لبنان لن ينعم باستقرار دائم، بل مجرد هدوء مؤقت في أفضل الأحوال.
دخلنا رسميًا مرحلة الهيمنة الغربية، لكن بدايتها لا توحي بأي خير. المسؤولون الأميركيون الذين زاروا لبنان مؤخرًا أظهروا بوضوح انحيازهم المطلق لإسرائيل، حتى على حساب الجيش اللبناني، الذي يدّعون أنه أساس الاستقرار في البلاد. تصريحاتهم كانت واضحة في هذا السياق، إذ شددوا على أنه لم تحدث أي مواجهة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، متجاهلين الاعتداءات المتكررة وسقوط الشهداء من صفوفه بشكل شبه يومي.
الغرب اليوم يربط مصير لبنان بكل تفصيل، من إعادة الإعمار إلى السياسة الداخلية والخارجية، وحتى الملفات المعيشية والاقتصادية. سواء اعترف البعض بذلك أم أنكروه، يبقى الأمل الوحيد أن يحظى لبنان بفترة استراحة قبل أن ينزلق مجددًا في دوامة التوتر والمشاكل، أو أسوأ من ذلك… في أتون الحرب.

