ما بعد بعد الفراغ في قيادة حزب الله

بعد انتظار وترقب، أطل السيد حسن نصر الله على من افتقدوا حضوره، لكن المفاجأة الكبرى كانت في كلمة الأمين العام الجديد لحزب الله، التي افتقدت للحضور والهيبة التي اعتادها الجمهور.

حقيقة واحدة جمعت بين خصومه ومؤيديه: حتى في نعشه، كان حضور نصر الله طاغياً، وهيبته ظلت حاضرة في هتافات الجماهير، التي لم تجد بديلاً لاسمه لتردده. فقدان نصر الله لم يكن مجرد خسارة لشخصه، بل فراغاً في عقل الحزب القيادي، فراغاً بدا جلياً في تشييع لم يكن فيه اسم غير اسمه.

الفراغ القيادي يطغى على المشهد

عندما اغتالته إسرائيل، كانت تدرك أنها اغتالت كل حزب الله، ليس بسبب شخصه فحسب، بل لموقعه، لحضوره، ولقدرته الفريدة على حشد الجماهير وصناعة اللحظات التاريخية، مثل لحظة “انظروا إليها تحترق”، التي لن تمحى من الذاكرة أو التاريخ. نصر الله لم يكن مجرد زعيم، بل كان مصدراً للمعنويات وصاحب كاريزما نادرة تجعل كلماته تشكل مصير أتباعه.

خطاب بلا صدى… ومنبر بلا جمهور

كان واضحاً خلال خطاب التشييع أن الأمين العام الجديد لم ينجح في ملء الفراغ. لم يتفاعل الجمهور معه، ولم يسمع له هتاف إلا عندما ردّد عبارة نصر الله الشهيرة “هيهات منا الذلة”. بدا كأن الحزب نفسه يواجه صعوبة في تقبّل قيادة جديدة، وكأن المنبر، الذي لطالما اهتزّ لهتافات الجماهير، بات اليوم فارغاً من الحضور والتأثير.

تناقضات في الخطاب… ومكابرة على الواقع

أصرّ الأمين العام الجديد على نهج المقاومة، لكنه أشاد بدور الجيش اللبناني. شكر إيران على دعمها، لكنه ناشد الدولة اللبنانية لإعادة الإعمار. روّج لانتصار الحزب، لكنه كان واقفاً على نعش قائده. اعتبر أن وقف إطلاق النار كان هزيمة لإسرائيل، بينما كان جمهوره ينزح وقراه تحترق.

الاعتراف المتأخر بالدولة… هل يكون بداية جديدة؟

إذا كان حزب الله يريد فعلاً العودة إلى كنف الدولة، فعليه أن يدرك أن الدولة التي تبني هي التي تحمي، ولا شريك لها في السلاح والقرار. لا يمكنه في الوقت نفسه شكر إيران ومبايعتها، ثم طلب إعادة الإعمار من الدولة اللبنانية. الاعتراف بالدولة لا يتجزأ، وإذا كانت هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة، فعليه أن يثبت ذلك بالأفعال، وليس فقط بالكلمات.

ما بعد بعد الفراغ

اليوم، الحزب أمام مفترق طرق. اغتيال نصر الله لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل ضربة لمكانته السياسية والشعبية. القيادات الجديدة لا تزال تبحث عن هوية واضحة، والجمهور لم يجد بعد من يملأ فراغ “السيّد”. بعد التشييع والوداع، يبقى السؤال: ماذا بقي لحزب الله بعد رحيل نصر الله؟ وهل يملكون الشجاعة لقراءة الواقع بوضوح، أم يستمرون في المكابرة حتى يفوت الأوان؟

زر الذهاب إلى الأعلى