التوازنات الإقليمية في سوريا: النفوذ السعودي والتركي في الميزان

بعد تنصيب نفسه رئيسًا لسوريا لفترة انتقالية، اختار أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني) أن تكون زيارته الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية، قبل أن يتوجه إلى تركيا، التي تعد الداعم الرئيسي له في مسيرته نحو السلطة. وقد رأت العديد من التحليلات أن أنقرة كانت الدافع خلف هذا التوجه نحو الرياض، نظرًا لحاجتها إلى الدعم المالي خلال المرحلة القادمة.

إلى جانب التحدي الأمني، يواجه الشرع تحديًا آخر بالغ الأهمية، وهو إعادة الإعمار، حيث تُعدّ السعودية الجهة الأكثر قدرة على تقديم المساعدة المالية، إن لم تكن الجهة الوحيدة. إلا أن الرياض ليست في وارد تقديم دعم مجاني، وهو ما دفع الشرع إلى التأكيد على أن سوريا لا ترغب في الاعتماد على المساعدات الخارجية، بل تسعى إلى جذب الاستثمارات وإعادة بناء اقتصادها على أسس مستدامة.

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول قدرة الشرع على تحقيق التوازن بين النفوذ التركي والدعم السعودي، إذ إنه لا يستطيع الانفصال عن أنقرة، لكنه في الوقت نفسه لا يمكنه الاستغناء عن الرياض. وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: من ستكون الجهة صاحبة التأثير الأكبر؟ هل ستقبل السعودية بأن تكون لاعبًا ثانويًا بعد تركيا، أم أن الأخيرة قد تجد نفسها مضطرة للتراجع بسبب الأعباء المالية؟

وفقًا لمصادر مطلعة، يبدو أن الرياض تمتلك اليد الأقوى في هذه المعادلة، إذ إنها قادرة على العودة إلى سياسة النأي عن الساحة السورية كما فعلت في السنوات الماضية، رغم إبدائها رغبة في الانخراط مجددًا. كما أن الجانب الآخر بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليه، إذ لا يستطيع ترسيخ سلطته دون دعمها، خاصة أنها تملك القدرة على بناء نفوذها عبر تحالفات متعددة.

ترى هذه المصادر أن سوريا اليوم ليست دولة بقدر ما هي ساحة مفتوحة لتدخلات خارجية، لا سيما أن السلطة الجديدة لم تتمكن بعد من فرض سيطرتها الكاملة على الأراضي السورية، مما يفتح المجال أمام جهات خارجية لدعم مختلف المكونات الطائفية والعرقية. وتضيف المصادر أن السعودية، في حال رغبت، لديها القدرة على تنويع حلفائها داخل سوريا، مع وجود العديد من الأطراف الراغبة في ذلك.

علاوة على النفوذين التركي والسعودي، لا يمكن تجاهل دور قوى أخرى في الساحة السورية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تظل واشنطن اللاعب الأكثر قدرة على ضبط الأوضاع، نظرًا لأن بقية الأطراف لا تستطيع تجاوز الخطوط العريضة التي تحددها، مما يجعلها المستفيد الأكبر من أي تطور مستقبلي في المشهد السوري.

أما بالنسبة للتوجهات السعودية، فيمكن فهمها من خلال عاملين رئيسيين، الأول هو عودتها إلى الملف اللبناني مباشرة بعد سقوط النظام السوري السابق، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لمنع انعكاسات الواقع الجديد على لبنان. أما العامل الثاني، فهو توجهها السريع نحو دمشق، لكن بتقييم حذر، حيث اعتبرت السلطة الجديدة في سوريا لا تزال في مرحلة اختبار.

في المحصلة، ورغم غياب الحضور السعودي المباشر على الأرض، إلا أن الرياض تظل تمتلك الورقة الأقوى، نظرًا لما لديها من خيارات متعددة في التعامل مع السلطة السورية الجديدة، والتي ستحدد مسار العلاقة وفقًا لسياسة “الخطوة خطوة”، بعيدًا عن تقديم أي دعم غير مشروط.

زر الذهاب إلى الأعلى