تحديات تشكيل الحكومة اللبنانية: تقاطع المواقف ومأزق توزيع الحقائب

دخل رئيس الحكومة المكلف نواف سلام، ومعه العهد الجديد برئاسة جوزاف عون، في مسار يبدو معقدًا منذ البداية، حيث تراكمت الخلافات السياسية والطائفية لتصبح عائقًا أمام ولادة الحكومة. منذ اللحظة الأولى لتكليفه، بدت عملية التشكيل محاطة بتوقعات متضاربة، لكن سلام اصطدم سريعًا بالواقع السياسي اللبناني المتشابك، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الحقائب السيادية التي تُعتبر محور التوازنات الطائفية في البلاد.

أبرز التحديات التي واجهها سلام تمثلت في حقيبة المالية، التي يتمسك الثنائي الشيعي بالاحتفاظ بها باعتبارها من “الأعراف” المعتمدة منذ اتفاق الطائف. محاولة سلام الالتزام بهذا الاتفاق مع الثنائي أثارت ردود فعل سلبية من قوى أخرى، أبرزها “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، اللذين تقاطعت مواقفهما بشكل غير متوقع على رفض استمرار الحقيبة مع الثنائي. هذا التقاطع خلق معادلة جديدة تعقّد موقف سلام؛ فهو أمام خيارين: إما الالتزام باتفاقه مع الثنائي، ما قد يؤدي إلى مقاطعة مسيحية واسعة، أو التراجع عن الاتفاق، ما سيضعه في مواجهة مباشرة مع القوى الشيعية، وهي مواجهة لن تكون سهلة.

هذا الانقسام في المواقف لم يكن التحدي الوحيد. التوزيع الطائفي للحقائب السيادية الأخرى زاد من صعوبة التشكيل. فقد أثارت تسمية سلام للوزير السابق غسان سلامة، وهو من الطائفة الكاثوليكية، لتولي حقيبة الخارجية، اعتراضًا واسعًا بسبب مخالفة العرف القائم الذي يقضي بإسنادها إلى الروم الأرثوذكس. هذا الخلاف ليس مجرد مسألة شكلية، بل يعكس تداخلًا معقدًا بين العرف والتوازنات السياسية التي تشكل أسس الحكم في لبنان.

إلى جانب ذلك، تسبب اقتراح سلام بتعيين الصحافي البير كوستانيان (أرمني) لتولي حقيبة الإعلام في إثارة غضب حزب الطاشناق، الذي اعتبره محسوبًا على حزب “الكتائب”، ما يعني أنه قد يؤدي إلى حصول الأخير على مقعدين، وهو أمر مرفوض من الطاشناق. هذه الأزمة أضافت بعدًا جديدًا لصعوبة التوفيق بين القوى السياسية والطائفية.

محاولات سلام لتجاوز هذه العقبات تعكس رغبته في إحداث تغيير يتماشى مع شعارات الإصلاح والتجديد، لكنه يبدو محاصرًا بمصالح القوى التقليدية التي لا تزال تتحكم بمفاصل السلطة. وبحسب مصادر سياسية، سلام قد يضطر إلى اتخاذ قرار صعب، فإما أن يعتذر عن التكليف، أو يواصل المحاولة، رغم أن كل خطوة تبدو وكأنها تُضعف موقعه السياسي وتؤثر على زخم العهد الجديد برئاسة جوزاف عون.

في ظل هذه التحديات، يصبح من الواضح أن عملية تشكيل الحكومة لن تكون مجرد خطوة تقنية، بل هي اختبار للقدرة على تجاوز المعضلة الطائفية والسياسية في لبنان. ومع استمرار الخلافات حول الحقائب والحصص، يبدو أن ولادة الحكومة ستطول، ما يعكس الأزمة الأعمق في النظام اللبناني، حيث تُعرقل المصالح الحزبية والطائفية أي محاولة جادة لإحداث تغيير حقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى