هل سيبقى للموارنة الدور التاريخي في لبنان؟!

يعود تاريخ الموارنة في لبنان إلى القرون الأولى للمسيحية، حيث تأسست الكنيسة المارونية في جبال لبنان، ولعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على هوية وثقافة الشعب الماروني، وتمكنت من الحفاظ على استقلالها الديني والسياسي رغم التحديات التي واجهتها على مر العصور.

تأسيس الجمهورية اللبنانية

  • في العام ١٩٢٠، عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية، كان للموارنة دور حاسم في تشكيل الهوية اللبنانية الحديثة. كانوا من أبرز الداعين إلى إنشاء لبنان الكبير، حيث أسسوا الجمهورية اللبنانية في العام ١٩٤٣ بعد نيل الاستقلال عن فرنسا. لعبت القيادات المارونية دورًا مركزيًا في تشكيل النظام السياسي والاقتصادي في لبنان، حيث تولى العديد منهم مناصب قيادية في الحكومة والجيش، ونعطي بعض الأمثلة على ذلك بدءًا من رؤساء الجمهورية:
  • بشارة الخوري: أول رئيس بعد الاستقلال (١٩٤٣-١٩٥٢).
  • كميل شمعون: رئيس بين (١٩٥٢-١٩٥٨)، وقد شهدت فترة رئاسته العديد من الأحداث الهامة والتحولات في السياسة الداخلية والخارجية وانتهت بثورة عام ١٩٥٨.
  • فؤاد شهاب: رئيس الجمهورية بين (١٩٥٨-١٩٦٤)، معروف بالإصلاحات الشهابية التي هدفت إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بالرغم من أنّ عهده سُمِّيَ بالعهد المخابراتي (المكتب الثاني) الّذي قال اللبنانيون عنه وقتذاك بأن للجدارن آذان تسمع وترى.
  • شارل حلو رئيس بين (١٩٦٤-١٩٧٠)، وقد عرف لبنان خلال فترة رئاسته بعض الإصلاحات الاقتصادية ومحاولات لتعزيز النمو الاقتصادي. وقد شهد عهد شارل الحلو المرحلة الأسوأعلى الصعيد السياسي من خلال توقيع لاتّفاق أسّس للحرب اللبنانية فيما بعد عام ١٩٧٥، وهو اتفاق القاهرة* الشهير الّذي تم التوقيع عليه في ٣ تشرين الثاني ١٩٦٩ في العاصمة المصرية لما زُعِمَ أنه بغرض تنظيم اللجوء الفلسطيني المسلّح في لبنان، حيث قام الرئيس بإرسال وفد لبناني برئاسة قائد الجيش إميل البستاني إلى مصر للتفاوض مع ياسر عرفات رئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة وبإشراف وزير الدفاع المصري محمد فوزي، ووزير الخارجية المصري محمود رياض. وفي عهده بدأ النفوذ الماروني الوطني بالتراجع بسبب شخصيّة شارل الحلو الضعيفة وتعاطف بعض الموتورين من رؤساء بعض اطياف الاحزاب اللبنانيّة من الاقطاعيين مع القضيّة الفلسطينية الّتي لم تجلب الا الضرر على لبنان، ممّا انعكس توتّرًا في الشمال اللبناني واجتياح العصابات المسلّحة الفلسطينية آنذاك للمخافر اللبنانية واحتلالها.
  • سليمان فرنجية من ٢٣ أيلول ١٩٧٠ حتى ٢٢ أيلول ١٩٧٦.

الى ذلك شهدت قيادة الجيش اللبناني على كفاءة عالية لبعض رجالات الموارنة أمثال:

  1. فؤاد شهاب من ١ آب ١٩٤٥ إلى ٢٢ أيلول ١٩٥٨.
  2. توفيق سالم من ٩ تشرين الأول ١٩٥٨ إلى ١ كانون الثاني ١٩٥٩.
  3. عادل شهاب من ١ شباط ١٩٥٩ إلى ٣٠ حزيران ١٩٦٥.
  4. إميل البستاني من ١ تموز ١٩٦٥ إلى ٦ كانون الثاني ١٩٧٠.
  5. جان نجيم من ٧ كانون الثاني ١٩٧٠ إلى ٢٤ تموز ١٩٧١.
  6. إسكندر غانم من ٢٥ تموز ١٩٧١ إلى ٩ أيلول ١٩٧٥.

مع بداية الحرب اللبنانية في العام ١٩٧٥، تضاعفت التحديات أمام الموارنة. وتفجّرت الصراعات الطائفية والسياسية، ما أدى إلى تراجع دورهم البارز في السياسة، وأثر بشكل كبير على مجتمعهم، حيث شهدت المناطق المسيحيّة تهجيرًا وانقسامات داخليّة.

ومع انتهاء الحرب في العام ١٩٩٠، واجه الموارنة تحديات جديدة تمثلت في التحولات الداخليّة والعشائرية. فأصبحت المصالح الخاصة والصراعات العائليّة تلعب دورًا بارزًا في تحديد المسار السياسي والاجتماعي لهم، ما أدى إلى تراجع روح المواطنة والوحدة التي كانت تميّز مجتمعهم في السابق.

وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهوها على مر العصور، فإنهم لا يزالون يشكلون جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والسياسي في لبنان. ويتطلب الأمر من قياداتهم العمل بجدّية لاستعادة دورهم الفاعل وتوحيد الصفوف بعيدًا عن المصالح الفئوية، مع التركيز على تعزيز قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية.

بهذا، يمكنهم أن يستعيدوا دورهم الريادي في بناء مستقبل لبنان، مرتكزين على إرثهم التاريخي العريق وقيمهم الثقافية والدينية التي تشكل أساس هويتهم.

الى ذلك وفي ظل التطورات العالميّة والمحليّة، واجهوا في لبنان مصاعب جديدة في السياسة والاقتصاد. بعد انتهاء الحرب الّتي سُمِّيت أهلية في حين أنها كانت حرب الآخرين على أرضهم مع تواطؤ بعض زعماء ميليشيات الحرب من اللبنانيين، انخرط الموارنة في عملية إعادة بناء الدولة، لكنهم واجهوا صعوبات في استعادة مكانتهم السياسية. حيث أثّر الفساد والمحسوبيات بشكل كبير على دورهم في الحكومة، فيما امتزجت القيادات المارونية السياسية والروحيّة في صراعات داخليّة وخلافات سياسية مع أطراف أخرى.

ورغم المصاعب، لعبت هذه الفئة دورًا مهمًا بالحفاظ على التراث الثقافي والفني في لبنان. إذ ان المؤسسات التعليمية والدينية المارونية كانت وما زالت معالم ومراكز للتعلم والثقافة، تساهم في نشر المعرفة والحفاظ على الهويّة اللبنانية. فالكنيسة المارونية وبعض مؤسساتها المرتبطة بها لعبت دورًا محوريًا في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية للمجتمع اللبناني بكافة أطيافه. فيما تماشى البعض الآخر مع الفساد وضرب القيم من حيث يدري او لا يدري، وانسحب هذا الامر على باقي الطوائف المسيحيّة الّتي باتت تنهش بعضها البعض،  فهاجر الكثير من المسيحيين الى كندا والولايات المتّحدة والبرازيل وغيرهم من البلدان، حيث أثبتت احصاءات قامت بها بعض الجهات المسيحية أن أعداد المهاجرين منهم خارج لبنان فاق الـ12 مليون شخص حول العالم.

في هذا السياق لم يعمل السياسيون المسيحيون بشكل عام والموارنة بشكل خاص على أجيال الشباب الّذين يمثلون أمل المستقبل، للمساهمة في بناء المجتمع وتطويره. وقد قام بعض الاشخاص وبشكل فردي بجهود كبيرة لتعزيز المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، من خلال الحركات الشبابية والجمعيات الأهليّة. لكن الأزمات الاقتصادية والهجرة شكلت عقبة أمام تطلعاتهم، حيث يسعى العديد منهم إلى فرص أفضل خارج لبنان بسبب الأوضاع الصعبة، وأضحى اهمال السياسيين المسيحيين فاضحًا ومضرب مثل بالانغماس الكلّي بالفساد يشاركهم فيه بعض رجال الدين أيضًا الّذين باتت تجذبهم السلطة الدنيوية والكلام السياسي والاغراء المالي على كل ما عداه من الاهتمام بشؤون وشجون الرعيّة، حتّى بات ينطبق عليهم المثل القائل “اذا كان ربّ البيت بالطبل ضارب فما على أهل البيت الا الرحيل”.

الوعي السياسي والإعلامي؟!

لعب الإعلام الماروني دورًا كبيرًا في ضرب الوعي السياسي والثقافي في لبنان. بعد أن كانت الصحف والمحطات التلفزيونية المارونية منبرًا لتعبير الرأي ونقل الأخبار بطريقة حِرَفيَّة وموضوعيّة. ولكن على الرغم من المشاكل التي تواجهها وسائل الإعلام اليوم، يبقى دورها حاسمًا لأنّ المطلوب منها بناء الرأي العام وتعزيز الحوار بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني وليس العكس.

نحو مستقبل أفضل

وفي سياق متّصل وجب على القيادات المارونية إقامة علاقات تعاون قوية مع المجتمع الدولي قد تعزّز من دورهم من اجل الصالح العام في لبنان. كما عليهم السعي إلى بناء جسور تعاون مع المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية لدعم التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار في البلاد. واطلاق مجهود جبّار للتعاون بما يسهم بالتلاقي بين مختلف الطوائف والمجتمعات في بناء لبنان موحد وقوي.

ولكي يستعيد الموارنة دورهم الريادي في لبنان، عليهم العودة إلى الجذور والتراث حيث بالامكان أن يكون مصدر إلهام للمستقبل. فالحفاظ على التقاليد والعادات والقيم الثقافية يمكن أن يعزّز الهوية الوطنيّة الّتي ارتبطت ارتباطًا وثيقا بالوطن ويكون أساسًا لبناء مستقبل مشرق. على الرغم من التحديات، يبقى الأمل في أن يتمكنوا من إعادة بناء مجتمعهم وتقديم مساهمة إيجابية في بناء لبنان المستقبل.

كما يتطلب الأمر التكاتف والتعاون بين مختلف القيادات والتيارات رغم الاختلاف السياسي العميق. ويجب التركيز على بناء دولة قوية تقوم على العدالة والمساواة، بعيدًا عن المصالح الشخصية والفئوية. والعمل على تعزيز القيم والانتماء الى الوطن نحو الطريق الأمثل للنهوض بالمجتمع اللبناني ككل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التعليم والتوعية المجتمعيّة، بالإضافة إلى دعم المشاريع الثقافية والاجتماعيّة التي تبرز التراث وتساهم في بناء جيل جديد يعتز بجذوره ويحمل تطلعات المستقبل.

كما يحتاج المسيحيون ومنهم الموارنة بالتحديد إلى تطوير سياسات فاعلة تعزز النمو المستدام وتوفّر فرص العمل ، مما يساعد على تقليل الهجرة واستعادة القوّة الاقتصادية للمجتمع، وهو ما يفتقده جيل الشباب بسبب تشبّث السياسيين بمواقعهم رغم فشلهم بالادارة. اضافة الى كل ما ذُكِر تحتاج هذه الفئة من اللبنانيين الى الاستمرار بالاستثمار في التعليم والابتكار الّذي يُعدّ أساسيًا لبناء مستقبل مزدهر. كما يجب أن تعمل المؤسسات المارونية على تطوير المناهج التعليمية وتشجيع البحث العلمي والابتكار. وتوفير بيئة تعليميّة محفّزة يمكن أن تسهم في تخريج أجيال قادرة على مواجهة التحديات وبناء مجتمع متقدّم ومتنوّع، واذا تحدّثنا عن المؤسسّات المارونية نعني بها الجامعات العريقة: جامعة الروح القدس، جامعة اللويزة، الجامعة الأنطونية، الجامعة اليسوعيّة وجامعة الحكمة إذ وجب عليها اطلاق مبادرات فعليّة للمساعدة الماديّة (وليس بالكلام فقط اذ يطلق مالكو هذه الجامعات تصاريح عن المساعدات بالاعلام فقط في حين أنها تكون بغالبيّتها للمحسوبيات) للطلاب المسيحيين الّذين باتوا هم اليوم اكثر حاجة بسبب الانهيار الاقتصادي والمالي الّذي انزلق لبنان اليه بسبب سياسييه الفاسدين وقضائه الغائب الخاضع لمشيئة الطغمة الفاسدة الحاكمة والتي تتفوّق على المافيا والعصابات  العالميّة.

إجمالًا، يمر المجتمع الماروني بتحديات كبيرة، لكنه يمتلك إرثًا غنيًا وقدرات كامنة يمكن أن تؤهله لاستعادة دوره الريادي في لبنان. يتطلب الأمر رؤية مستقبليّة وتعاونًا جماعيًا وهو المفقود حاليًّا، بالإضافة إلى التركيز على تعزيز الهوية والانتماء الوطني. بالتعليم والابتكار والتعاون، يمكن أن يبنوا مستقبلًا مشرقًا يليق بتاريخهم العريق وإرثهم الثقافي الغني.

 

ج س

 

 

* في حزيران 1987، وقع الرّئيس اللبناني السابق امين الجميّل على قانون يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وكان قد تمت الموافقة على قانون إلغاء الاتفاق من قبل البرلمان اللبناني في ٢١ أيار ١٩٨٧ وتوقيعه في وقت لاحق من قبل رئيس الوزراء (الراحل) سليم الحص.

 

زر الذهاب إلى الأعلى