
ليس البشر فقط من يعانون من النسيان مع تقدم العمر، بل إن ذباب الفاكهة يعاني أيضًا من ذلك. ومع عمرها القصير الذي يبلغ حوالي شهرين، يمكن أن تكون هذه الذبابة نموذجًا مفيدًا لفهم التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في السن.
أظهرت دراسة جديدة نشرت في مجلة “Nature Communications” أن تراكم بروتين هيكلي شائع يسمى الأكتين الخيطي (F-actin) في الدماغ يعيق عملية إزالة العناصر غير الضرورية أو المعطلة داخل الخلايا، مثل الحمض النووي، والدهون، والبروتينات، والعضيات. يؤدي هذا التراكم إلى تقليل وظائف الخلايا العصبية ويسهم في التدهور الإدراكي. من خلال تعديل بعض الجينات المحددة في خلايا عصبية لذبابة الفاكهة المتقدمة في السن، تمكن الباحثون من منع تراكم F-actin، والحفاظ على عملية إعادة تدوير الخلايا، وزيادة عمر الذبابة الصحي بنسبة تقارب 30%.
تشكل الأكتين، وهي عائلة من البروتينات التي تساعد على إعطاء الخلايا شكلها، جزءًا كبيرًا من الجسم. تشكل F-actin خيوطًا ضرورية للحفاظ على بنية الخلية والعديد من الوظائف الأخرى. ولاحظ الباحثون، بقيادة العالم السابق إدوارد (تيد) شميت في مختبر ديفيد ووكر، تراكم F-actin في أدمغة ذباب الفاكهة المتقدمة في السن وتساءلوا إذا ما كان يساهم في شيخوخة الدماغ وفقدان الصحة العامة للذباب.
كانت أولى دلائل العلاقة: الذباب الذي اتبع نظامًا غذائيًا مقيدًا عاش لفترة أطول وامتلك تراكمًا أقل من F-actin في أدمغته. الدليل الثاني: عند علاجهم بدواء معروف بقدرته على تمديد العمر، يسمى رابيمايسين، كان هناك أيضًا انخفاض في F-actin في أدمغة الذباب المسن.
قال ووكر، المؤلف الرئيسي وأستاذ البيولوجيا التكاملي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس: “لكن هذه علاقة، وليست دليلاً مباشرًا على أن F-actin ضار بشيخوخة الدماغ”. “للحصول على سببية، توجهنا إلى علم الوراثة”.
نظرًا لأن جينوم ذبابة الفاكهة تم خرائطه وفهمه بشكل كامل، تمكن الفريق من استهداف الجينات المعروفة بدورها المهم في تراكم خيوط الأكتين في الذباب المسن، بما في ذلك جين يسمى Fhos، وهو عضو في عائلة من البروتينات المعروفة بأنها تطيل وتنظم خيوط الأكتين.
قال شميت، الآن باحث في معهد العلوم الحيوية في أركنساس وأستاذ مساعد في جامعة ولاية أركنساس: “عندما قللنا من تعبير Fhos في الخلايا العصبية المسنّة، منعنا تراكم F-actin في الدماغ”. “هذا سمح لنا بتوسيع دراستنا لأننا حصلنا الآن على وسيلة مباشرة لاستهداف تراكم F-actin في الدماغ ودراسة كيفية تأثيره على عملية الشيخوخة”.
على الرغم من أن التدخل الجيني كان موجهًا فقط إلى الخلايا العصبية، إلا أنه حسّن الصحة العامة للذباب. عاشوا لفترة أطول بنسبة 25-30%، بينما أظهروا علامات تحسين وظائف الدماغ وعلامات صحة أفضل في أنظمة الأعضاء الأخرى. منع تراكم F-actin حمى الوظيفة الإدراكية، مما يدل على أن هذا التراكم يقود إلى التدهور الإدراكي المرتبط بالشيخوخة. قال ووكر: “تصبح الذبابة أكثر نسيانًا مع تقدم العمر، وتضعف قدرتها على التعلم والتذكر في منتصف العمر، تمامًا كما يحدث عند البشر. إذا منعنا تراكم F-actin، فإن ذلك يساعد الذبابة على التعلم والتذكر عند تقدمها في العمر – مما يخبرنا أن هذا التراكم ليس غير ضار”.
أظهرت التحقيقات الإضافية أن F-actin كان يتداخل مع “نظام التخلص من النفايات الخلوية” في الجسم. يتم تحطيم البروتينات المعطوبة أو الزائدة داخل الخلية في عملية تعرف باسم “الالتهام الذاتي” (autophagy). وقد أثبتت الأبحاث حول الشيخوخة أن مسارات الالتهام الذاتي تصبح أقل نشاطًا مع تقدم العمر، لكن لم يكن أحد يعرف السبب الدقيق وراء ذلك.
تظهر الدراسة الجديدة أن منع تراكم F-actin أدى إلى زيادة نشاط الالتهام الذاتي في أدمغة ذباب الفاكهة المسن. ووجد المؤلفون أنه إذا تمت إزالة F-actin ولكن تم تعطيل الالتهام الذاتي أيضًا، فإن ذلك لم يبطئ من عملية الشيخوخة: يبدو أن الآلية الرئيسية التي يقود بها F-actin شيخوخة الدماغ هي من خلال إعاقة الالتهام الذاتي. كما أظهر الباحثون أن تعطيل F-actin في الأدمغة المسنّة يمكن أن يعيد الالتهام الذاتي في الدماغ إلى مستويات شبابية ويعكس بعض العلامات الخلوية للشيخوخة.
قد تكون هذه النتائج أخبارًا جيدة لذباب الفاكهة المسنّة التي تعاني من انخفاض F-actin في أدمغتها. لكن لم يتم إثبات ذلك بعد لدى البشر، وقد يكون تطوير تدخلات لمنع تراكم F-actin أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، توجّه الاكتشاف الباحثين في اتجاه مثمر نحو شيخوخة أكثر صحة لدى البشر.
قال ووكر: “يركز معظمنا في مجال الشيخوخة على الانتقال من مدة الحياة إلى ما نسميه فترة الصحة”. “نريد مساعدة الناس على الاستمتاع بصحة جيدة وجودة حياة عالية مع تمديد مدة الحياة. دراستنا حسنت من الوظائف الإدراكية والهضمية، ومستوى النشاط، وفترة الصحة العامة لذباب الفاكهة – وتقدم أملًا لما يمكن أن نحققه لدى البشر”.
كانت هذه الأبحاث مدعومة من المعهد الوطني للصحة التابع للمعهد الوطني للشيخوخة.
المصدر: جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس

