قمة “ترامب” و”شي”: إدارة التنافس تحت ضغط الاقتصاد وحرائق الشرق الأوسط

في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتجه الأنظار إلى بكين حيث يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعقد لقاء مطوّل مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بين ١٣ و١٥ أيار ٢٠٢٦، في زيارة تتجاوز طابعها البروتوكولي المعتاد. فالقمة المرتقبة تأتي وسط تداخل غير مسبوق بين أزمات الاقتصاد العالمي والتوترات الأمنية الممتدة من الخليج إلى شرق آسيا، ما يجعلها أقرب إلى محاولة لإدارة التصعيد بين القوتين الأكبر في العالم، لا مجرد محطة دبلوماسية عابرة.

التوقيت وحده يمنح الاجتماع أهمية استثنائية. فالشرق الأوسط يعيش على وقع مواجهة مفتوحة تهدد أمن الطاقة العالمي، فيما تبدو العلاقات الأميركية-الصينية أمام اختبار معقد تتداخل فيه ملفات التجارة والتكنولوجيا وتوازنات الأمن الدولي. وفي ظل هذا المشهد، تدرك واشنطن وبكين أن أي انزلاق إضافي قد يفرض على الاقتصاد العالمي أثمانًا يصعب احتواؤها.

الشرق الأوسط ممر إلزامي للتفاهم

يصل ترامب إلى بكين حاملاً ملفات ضاغطة تتصدرها تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة. فتعثر المسارات التفاوضية السابقة، إلى جانب تشديد واشنطن إجراءاتها البحرية على الموانئ الإيرانية، دفع الصين تدريجيًا إلى موقع الوسيط الذي لا يمكن تجاوزه في أي محاولة لخفض التوتر.

وبحسب تقديرات دوائر سياسية غربية، فإن الإدارة الأميركية تنظر إلى أمن الطاقة الصيني باعتباره إحدى نقاط الضغط الأساسية في المرحلة الحالية. فبكين تعتمد بشكل كبير على إمدادات النفط العابرة للممرات البحرية الملتهبة، وأي اضطراب طويل في مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الصيني الذي يواجه أصلًا تباطؤًا ملحوظًا منذ بداية العام.

في المقابل، لا تبدو الصين معنية بالدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل المخاطر التي تهدد مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا، تتحدث أوساط دبلوماسية عن محاولة متبادلة لصياغة تفاهم غير معلن: مساهمة صينية أكثر فعالية في احتواء التصعيد الإقليمي، مقابل تخفيف الضغوط الأميركية على حركة الملاحة والطاقة.

وتشير تسريبات متقاطعة من دوائر قريبة من الجانبين إلى أن بكين قد تطرح خلال القمة تصورًا لتأمين الملاحة في مضيق هرمز ضمن إطار تعاون دولي أوسع، يسمح لجميع الأطراف بالخروج التدريجي من مناخ المواجهة الحالية. كما يمنح واشنطن هامشًا سياسيًا للتراجع عن بعض خطوات التصعيد من دون الظهور بموقع المتراجع بالكامل.

الاقتصاد أولًا… ولكن بشروط!

بعيدًا عن الملفات الأمنية، يدخل الطرفان المفاوضات تحت ضغط اقتصادي واضح. فالصين تحاول احتواء تباطؤ داخلي غير مسبوق منذ عقود، بينما يواجه ترامب استحقاقات انتخابية حساسة يدرك خلالها أن أسعار الطاقة والتضخم سيبقيان عاملين حاسمين في المزاج الأميركي الداخلي.

لهذا السبب، يتوقع أن يحتل ملف الطاقة والتبادل التجاري مساحة مركزية في المحادثات. وتفيد تقديرات اقتصادية بأن واشنطن ستضغط باتجاه توسيع واردات الصين من الغاز الأميركي، بما يخفف من اعتماد بكين على مصادر تعتبرها الإدارة الأميركية جزءًا من محور المنافسة الجيوسياسية مع الغرب.

وفي السياق نفسه، عاد الحديث خلال الأيام الماضية عن احتمال إنشاء آلية اقتصادية مشتركة شبيهة بـ”مجلس تنسيق تجاري” يهدف إلى احتواء التوترات المرتبطة بالتعريفات الجمركية وسلاسل التوريد. فالتجربة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الصدام التجاري المفتوح بين أكبر اقتصادين في العالم لم يعد قابلًا للاستمرار بالكلفة نفسها.

لكن العقبات لا تزال كبيرة. فواشنطن تضغط من أجل انفتاح أوسع للقطاع المالي الصيني أمام المؤسسات الأميركية، في حين تنظر بكين إلى هذا المطلب بوصفه مساسًا بهوامش سيادتها الاقتصادية وقدرتها على التحكم بأسواقها الداخلية. لذلك، تبدو المفاوضات الاقتصادية حتى الآن أقرب إلى إدارة خلافات كبرى منها إلى تفاهم شامل ونهائي.

تايوان… العقدة الأكثر حساسية

رغم ثقل الملفات الاقتصادية، يبقى ملف تايوان الأكثر حساسية في العلاقة بين الجانبين. فبكين تعتبر الجزيرة جزءًا من أمنها القومي المباشر، بينما تواصل واشنطن التعامل معها كورقة استراتيجية أساسية في معادلة التوازن الآسيوي.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن القيادة الصينية ستسعى خلال القمة إلى انتزاع موقف أميركي أكثر وضوحًا حيال رفض أي خطوات تدفع نحو استقلال تايوان، خصوصًا في ظل تنامي القلق الصيني من الخطاب السياسي داخل الجزيرة خلال الأشهر الأخيرة.

في المقابل، لا تخفي دوائر أميركية أن إدارة ترامب تنظر إلى الملف التايواني باعتباره أحد أبرز عناصر الضغط التفاوضي في مواجهة بكين، سواء في ملفات التجارة أو التكنولوجيا أو النفوذ العسكري في بحر الصين الجنوبي.

هذا الواقع يضع تايوان نفسها في موقع بالغ الحساسية، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول إلى جزء من تفاهمات أكبر تُعقد بين القوتين بعيدًا عن حساباتها المباشرة. لذلك تتابع الأوساط السياسية في تايبيه القمة بحذر شديد، خصوصًا في ما يتعلق بأي نقاش محتمل حول مستويات الدعم العسكري الأميركي خلال المرحلة المقبلة.

الذكاء الاصطناعي… سباق النفوذ الجديد

التوتر بين واشنطن وبكين لم يعد يقتصر على التجارة أو النفوذ العسكري التقليدي، بل انتقل بصورة متسارعة إلى ميدان التكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

فالولايات المتحدة تنظر إلى التفوق التكنولوجي باعتباره عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على موقعها العالمي، بينما ترى الصين أن القيود الأميركية المتزايدة تستهدف إبطاء صعودها الاستراتيجي في القطاعات المستقبلية.

وفي هذا السياق، تتوقع مصادر متابعة أن تشهد القمة نقاشًا حول إنشاء إطار تنسيقي مشترك يتعلق بسلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخداماتها العسكرية والتجارية، في محاولة لمنع تحول المنافسة التقنية إلى مسار يصعب ضبطه لاحقًا.

ويبدو واضحًا أن الطرفين يدركان أن سباق الذكاء الاصطناعي بات يتجاوز البعد الاقتصادي، ليدخل تدريجيًا في صلب التوازنات الأمنية الدولية. فالتقدم في هذا المجال لم يعد مرتبطًا فقط بالشركات والأسواق، بل بات جزءًا من معادلة القوة العالمية خلال العقود المقبلة.

إدارة الصراع بدل حسمه

في المحصلة، لا تبدو قمة بكين مرشحة لإنتاج تسويات تاريخية بقدر ما تعكس محاولة متبادلة لمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة والصين في لحظة دولية شديدة الهشاشة.

فالطرفان يدركان أن حجم التشابك الاقتصادي بينهما يجعل فكرة القطيعة الكاملة شبه مستحيلة، كما أن استمرار التصعيد من دون ضوابط يحمل مخاطر يصعب التحكم بها، سواء في آسيا أو الشرق الأوسط أو أسواق الطاقة العالمية.

من هنا، قد يكون الهدف الواقعي للقمة هو تثبيت قواعد مؤقتة لإدارة التنافس بين القوتين، بدل السعي إلى إنهائه. وهي معادلة تبدو أقرب إلى طبيعة النظام الدولي الحالي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة.

ويبقى السؤال الأهم مرتبطًا بقدرة الطرفين على الحفاظ على هذا التوازن الهش، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات سياسية وانتخابية قد تدفع الجميع نحو مزيد من التشدد. أما ما ستكشفه لقاءات بكين فعليًا، فلن يتضح بالكامل إلا مع بدء ترجمة التفاهمات ـ إن وُجدت ـ إلى خطوات عملية خلال الأشهر المقبلة.

 

ج س

زر الذهاب إلى الأعلى