
ترى صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى إنهاء الحرب، مؤكداً عملياً أنه لن يسمح لإسرائيل بالتدخل لإفشال هذا المسار.
وتستند الصحيفة إلى التسارع اللافت بين محاولة فتح مضيق هرمز بالقوة ثم تجميد العملية والعودة إلى مسار التفاوض مع إيران، بوصفه مؤشراً على رغبة واضحة لدى واشنطن في احتواء التصعيد، مدفوعةً بضغوط اقتصادية على طهران وحسابات أميركية تتجاوز ساحة الصراع نفسها.
وبحسب الصحيفة، فإن الحسابات الأميركية لا تنفصل عن اعتبارات دولية أوسع، من بينها المنافسة مع الصين والاستحقاقات السياسية والرمزية المقبلة، مما يجعل استمرار الحرب من دون نصر حاسم عبئاً على البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، يسعى ترامب إلى بلورة اتفاق أولي يركّز على استئناف الملاحة في الخليج وتخفيف ضغوط أسواق النفط، تمهيداً لمفاوضات أعمق تتناول الملف النووي الإيراني.
كما تشير هآرتس إلى أن غياب الحوثيين في اليمن عن مسرح المواجهة وعدم انخراطهم في التصعيد ليس أمراً عرضياً، بل يعكس تفاهمات إقليمية هدفت إلى تحييد أطراف إضافية ومنع اتساع نطاق الحرب.
«اتفاق غامض»
غير أن طبيعة الاتفاق المحتمل لإنهاء الحرب لا تزال غامضة، إذ تتحفظ هآرتس على المبالغة في التفاؤل، في ضوء ما وصفته بـ”سجل التصريحات الأميركية غير الدقيقة”، وما يُعرف عن النهج الإيراني القائم على إطالة أمد التفاوض لتحقيق مكاسب اقتصادية.
وتؤكد الصحيفة أن جوهر أي تفاهم يدور حول معادلة تخفيف العقوبات مقابل قيود صارمة على التخصيب والرقابة النووية، بينما تتجنب واشنطن الضغط في ملفي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
وتلفت هآرتس إلى أن ترامب سبق أن أشاد، كعادته، بعملية «الغضب الملحمي» (الحرب على إيران) و**«مشروع الحرية»** (عملية تحرير السفن في مضيق هرمز)، واصفاً نتائجهما بالنجاح الباهر، رغم أن العملية الأخيرة لم تكن قد بدأت فعلياً إلا قبل ٣٦ ساعة فقط.
ويتمثل الهدف الآن، وفق الصحيفة، في صياغة وثيقة مبادئ مشتركة من صفحة واحدة، يُتوقع أن تعقبها مفاوضات تستمر شهراً كاملاً، يسعى خلالها الطرفان إلى التوصل إلى اتفاقيات أكثر تفصيلاً.
ترامب ونتنياهو
من جهته، يشير المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هارئيل في هآرتس إلى الغياب “الملحوظ” لإسرائيل عن مجريات التطورات خلال الأيام الأخيرة، معتبراً أن هذا الغياب ليس من قبيل المصادفة.
ولفت إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نشر يوم الأربعاء الماضي مقطع فيديو أكد فيه أنه “على تنسيق كامل” مع ترامب، في حين أن الرئيس الأميركي “لم يأتِ على ذكر إسرائيل أو نتنياهو” في تصريحاته الأخيرة.
ورأى هارئيل أن ترامب “يسعى إلى تقليص خسائره وإنهاء الحرب مع إيران، في وقت تبدو فيه إسرائيل عاجزة عن إيقافه”.
كما تشير هآرتس إلى تقارير تفيد بأن نهج ترامب يرتبط بتوترات متصاعدة مع نتنياهو، إذ رفض فريق الرئيس الأميركي مقترحاً قدّمه نتنياهو خلال زيارته للبيت الأبيض في ١١ شباط الماضي، كان يهدف إلى تسريع إسقاط النظام في إيران عبر تحريك ميليشيات كردية.
ويبدو، بحسب الصحيفة، أن فكرة “تغيير النظام” التي جرى الترويج لها في بدايات الحرب قد طُويت، على غرار وعود نتنياهو السابقة بتحقيق نصر كامل في غزة ولبنان.
ويرى التقرير أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو تدخل مرحلة حساسة، إذ تسمح واشنطن لإسرائيل بهامش تحرك عسكري محدود في لبنان، لكنها في الوقت نفسه تضع سقفاً واضحاً يمنع الانزلاق إلى تصعيد إقليمي واسع قد ينسف مسار التهدئة في الخليج.
وبحسب الصحيفة، فإن الهجوم الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت عكس رسالة ضغط محسوبة أكثر من كونه تحولاً استراتيجياً، مشيرةً إلى أن أي تصعيد أعمق يتطلب ضوءاً أخضر أميركياً لن يكون متاحاً إذا تعارض مع أولوية ترامب بإنهاء الحرب واحتواء تداعياتها.
ووفق هذا التقدير، يمتلك نتنياهو أوراقاً تكتيكية لزعزعة الاستقرار، لكنه يفتقر إلى حرية قرار كاملة، في ظل إصرار البيت الأبيض على ضبط الإيقاع ومنع توسيع جبهة لبنان بما يهدد التفاهمات الإقليمية قيد التشكّل.
بالمقابل، تشير الصحيفة إلى أن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أصدر بياناً جاء فيه أنه “منذ بدء اتفاقيات وقف إطلاق النار، قضى الجيش الإسرائيلي على أكثر من ٢٢٠ إرهابياً من حزب الله”. وتصف هآرتس هذا البيان بـ**”الملتبس”**، لافتةً إلى أنه يشير إلى توجيهات ترامب بوقف إطلاق النار، ويُلمّح ضمنياً إلى عدم تنفيذها.
وعلى المسار الإسرائيلي، تشير هآرتس إلى توتر متزايد بين ترامب ونتنياهو، خصوصاً بعد رفض الإدارة الأميركية أفكاراً إسرائيلية لتوسيع الحرب أو الدفع نحو تغيير النظام في إيران. ورغم بعض التحركات العسكرية الإسرائيلية، لا سيما في لبنان، ترى الصحيفة أن واشنطن لن تسمح بتقويض مسار التهدئة إذا كان مصير الحرب الإقليمية على المحك.
جولة حرب محتملة في غزة
وفي موازاة ذلك، ترى هآرتس أن قطاع غزة بقي خارج أولوية التحرك الأميركي، وزعمت أن حركة حماس تستفيد من الانشغال بإيران لتعزيز سيطرتها والمماطلة في ملفات نزع السلاح، بينما تتعثر خطط إعادة الإعمار والقوى الدولية بفعل غياب التمويل وتعقيدات الأمن.
وتضع الصحيفة هذا المشهد في إطار التحذيرات الإسرائيلية المتكررة من خطر إبقاء الوضع القائم في غزة، مشيرةً إلى أن حماس، رغم تدمير معظم قدراتها العسكرية، لا تزال تحتفظ بقدرة تنظيمية وسيطرة ميدانية صارمة، مما يجعل إعادة بناء قوتها أمراً قائماً على المدى المتوسط.
كما تؤكد هآرتس أن الغموض يلف مستقبل القوة الدولية المقترحة في غزة، في ظل صعوبات التجنيد والتردد الدولي، مما يعزّز التقديرات بإمكانية الانزلاق إلى جولة تصعيد جديدة في القطاع قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول المقبل.

