وفاة أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو عن ٩١ عامًا

شكّلت بريجيت باردو، لعقود طويلة، رمزًا للتمرّد والجمال والحرية في السينما العالمية، وأسهمت بأدائها الجريء وغير المقيّد في كسر المحظورات الأخلاقية التي قيّدت الشاشة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. غير أن مسيرتها لم تتوقف عند حدود الفن، إذ اختارت في النصف الثاني من حياتها طريقًا غير تقليدي، كرّست فيه شهرتها ونفوذها للدفاع عن حقوق الحيوانات، لتتحول من نجمة إغراء إلى ناشطة مثيرة للجدل.

ورحلت باردو عن عمر ناهز ٩١ عامًا، وفق بيان صادر عن مؤسستها، التي وصفتها بأنها امرأة استثنائية «أعطت كل شيء وتخلّت عن كل شيء من أجل عالم أكثر احترامًا للحيوانات»، مؤكدة أن إرثها سيبقى حيًا من خلال نضال المؤسسة المستمر وفاءً لمبادئها.

عرفها الفرنسيون اختصارًا بحرفي B.B.، فيما أثارت بظهورها الصادم آنذاك إعجاب الجمهور واستياء السلطات الأخلاقية في آن واحد. كانت جسدها، وحضورها، وأداؤها العفوي إعلانًا صريحًا عن تحوّل ثقافي، خصوصًا في أفلام مثل Contempt للمخرج جان-لوك غودار. في وقت كانت فيه السينما الأميركية خاضعة لرقابة صارمة تمنع الحديث الصريح عن الجنس، ساهمت باردو في فتح الأبواب أمام السينما الأجنبية داخل الولايات المتحدة، وأصبحت ظاهرة جماهيرية حقيقية.

وفي وصف معبّر لتأثيرها، كتبت مجلة Life عام ١٩٦١ أن الفتيات في كل مكان صرن يمشين ويلبسن ويصففن شعورهن مثل باردو، ويحلمْن بالتحرر كما كانت هي. ولم يكن هذا التأثير شكليًا فحسب، بل ثقافيًا واجتماعيًا، إذ جسّدت نموذج المرأة التي تمتلك جسدها وخياراتها في زمن لم يكن مهيأً لذلك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ودّعها بكلمات لافتة، معتبرًا أنها «جسّدت حياة الحرية»، مستعيدًا أفلامها وصوتها وحضورها الكاسح، وشغفها بالحيوانات، ووجهها الذي تحوّل إلى أحد تمثّلات «ماريان» رمز الجمهورية الفرنسية، ليخلص إلى أن فرنسا تودّع «أسطورة القرن».

لم تكن باردو نجمة عادية، بل من أوائل المشاهير المعاصرين بالمعنى الحديث للكلمة. قبل عقود من ظاهرة نجمات البوب، عاشت علاقاتها العاطفية بشروطها الخاصة، ورفضت الاعتذار عن أسلوب حياتها في مرحلة ما قبل الخطاب النسوي المنظّم. الكاتبة سيمون دو بوفوار وصفتها في مقال شهير عام ١٩٥٩ بأنها «صيّادة وفريسة في آن»، معتبرة أن مساواتها الرجل في الرغبة والاختيار هي ما جرح كبرياء المجتمع الذكوري آنذاك.

رغم أن باردو لم تكن تحظى دائمًا بإشادة النقاد، وغالبًا ما قلّلت من موهبتها التمثيلية، فإن جاذبيتها الطاغية جعلتها حاضرة بقوة في أكثر من أربعين فيلمًا، من بينها …And God Created Woman و**Viva Maria!**. كما حققت شهرة واسعة كمغنية في فرنسا خلال ستينيات القرن الماضي.

بريجيت باردو
بريجيت باردو

إلى جانب السينما والموسيقى، لعبت الموضة دورًا أساسيًا في تكريس صورتها. شعرها الأشقر المبعثر، وملابسها البسيطة الضيقة، وحضورها الطبيعي بلا تكلّف، جعلتها أيقونة أسلوبية ألهمت ممثلات مثل جين فوندا وجولي كريستي، ولاحقًا عارضات أزياء مثل كيت موس وكلوديا شيفر. وقد رأى نقاد الموضة أن سرّ تأثيرها يكمن في صدقها وعفويتها، وفي الصورة التي جسّدت الحرية والشباب والتمرّد على القوالب.

عام ١٩٧٣، اعتزلت باردو السينما وهي في التاسعة والثلاثين، لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها، سخّرت فيه شهرتها للدفاع عن الحيوانات. وفي مزاد علني عام ١٩٨٧ لبيع مقتنياتها دعمًا لمؤسستها، قالت إنها منحت جمالها وشبابها للرجال، وحان الوقت لأن تمنح حكمتها وخبرتها للحيوانات.

لكن هذا التحوّل لم يخلُ من الجدل. فقد وُجهت إليها انتقادات حادة بسبب مواقفها المناهضة للهجرة، وهجومها على طقوس دينية تتعلق بذبح الحيوانات، كما عزز زواجها عام ١٩٩٢ من شخصية مرتبطة باليمين المتطرف صورتها كشخصية منفصلة عن فرنسا المتعددة الثقافات. ومع ذلك، واصلت تحدّي التوقعات، ورفضت اللجوء إلى الجراحة التجميلية، وظهرت في شيخوختها بصورة طبيعية، متصالحة مع الزمن.

وُلدت باردو في باريس في ٢٨ أيلول ١٩٣٤، ونشأت في عائلة ميسورة بعيدة عن عالم الفن. حلمها الأول كان أن تصبح راقصة باليه، لكن ظهورها على غلاف مجلة Elle وهي في الخامسة عشرة جذب أنظار المخرج مارك أليغريه، ومساعده الشاب آنذاك روجيه فاديم، الذي لعب دورًا محوريًا في انطلاقتها الفنية والعاطفية.

زواجها المبكر من فاديم، وأفلامه معها، ولاحقًا طلاقهما بعد علاقة لها مع الممثل جان-لوي ترانتينيان، جعل حياتها مادة دائمة لوسائل الإعلام. وقد عبّرت لاحقًا عن شعورها بالحصار داخل «سجن مذهّب»، حيث تحوّلت حياتها الخاصة إلى شأن عام.

ورغم محاولات الانتحار التي مرّت بها، والضغوط النفسية الهائلة، أثبتت باردو قدرة لافتة على البقاء. أدّت أدوارًا تعكس صراعها مع الشهرة، كما في فيلم Vie Privée، مؤكدة أن صورتها العامة كانت في كثير من الأحيان عبئًا لا يقل قسوة عن الشهرة نفسها.

برحيل بريجيت باردو، تطوي فرنسا والعالم صفحة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في القرن العشرين. امرأة أعادت تعريف النجومية، ووسّعت حدود الحرية في الفن، ثم اختارت أن تمضي ما تبقى من حياتها في معركة مختلفة، لا تقل حدّة، دفاعًا عن كائنات بلا صوت.

زر الذهاب إلى الأعلى