إينيا: الملكة المنعزلة التي غزت العالم بصوتها السماوي

تُعدّ إينيا واحدة من أنجح الفنانات المنفردات في تاريخ الموسيقى، غير أنّ المغنية الإيرلندية اختارت الابتعاد عن الأضواء منذ عقود، لسببٍ وجيهٍ: فهي تعيش في قلعةٍ قديمةٍ برفقة قططها، حيث تحيط بها الهالة الغامضة التي لطالما ميزتها.

تُعرف إينيا بلقب “ملكة الألحان السماوية”، إذ تعيش حياةً يلفّها الغموض خلف أسوار قلعتها المحصّنة، على الرغم من أنّ كوكبًا صغيرًا ونوعًا من الأسماك في نهر أورينوكو قد أُطلق عليهما اسمها تكريمًا لها.

الفنانة الغامضة، المشهورة بموسيقاها المفعمة بالسحر والتناغمات الصوتيّة المعقّدة، باعت أكثر من ٧٥ مليون ألبوم حول العالم، دون أن تسعى يومًا وراء الشهرة أو تخضع لإغراءاتها. لم تُقم أي جولةٍ غنائيّة، ولم تتزوّج، وظلّت بعيدةً عن بريق نجوميّة البوب.

وفي حديثٍ نادرٍ لصحيفة ذا صن عام ٢٠١٦، قالت مبتسمةً: “أنا من أشدّ المعجبين ببرنامج ستركتلي. لا أدري إن كنت أستطيع المشاركة فيه، لكنني سأعشق تعلّم رقصة التانغو الأرجنتينية.”

باستثناء هذه اللمحة الصغيرة من حياتها الشخصية، تواصل إينيا الحفاظ على هالتها الأسطوريّة، إذ تقيم في قصرٍ فيكتوريٍّ قرب دبلن، لا يبعد كثيرًا عن منزل المغني بونو، وتعيش هناك مع قططها التي كانت في فترةٍ ما تصل إلى ١٢ قطة.

وُلدت باسم إيثني ني برينان في بلدة غويدور بمقاطعة دونيجال، وسط عائلةٍ غارقةٍ في الموسيقى والتقاليد، حيث نشأت بين الإخوة والآلات والألحان، لكنها كانت تميل منذ الصغر إلى العزلة والهدوء.

في سنواتها الأولى، انضمّت لفترةٍ وجيزة إلى فرقة عائلتها “كلاناد”، قبل أن تشقّ طريقها منفردة، متعاونةً مع المنتج نيكي راين وزوجته روما في شراكةٍ فنيّةٍ غير عاطفية. ومعًا أمضوا سنواتٍ في عزلةٍ شبه تامّة لتشكيل صوتهم الفريد، مستخدمين أحيانًا مئات الطبقات الصوتية في الأغنية الواحدة.

قدّمت إينيا أعمالًا بلغاتٍ متعدّدة، من الإنكليزية والغيلية إلى الفرنسية واللاتينية، بل وحتى بلغاتٍ من عالم تولكين كـ”السندارين” و”كوينيا”، إضافةً إلى لغةٍ من اختراعها تُدعى لوشيان.

ومع إصدار ألبوم “ووترمارك” عام ١٩٨٨، دخلت إينيا مرحلة التحوّل الكبرى، إذ شكّلت أغنيتها الشهيرة “أورينوكو فلو” حدثًا موسيقيًا عالميًا فريدًا، لتتجاوز مبيعات الألبوم ١١ مليون نسخة. ومع مطلع الألفية الجديدة، باتت تُعدّ من أكثر الفنانات نجاحًا عالميًا، ورسّخت أغنيتها “أونلي تايم” مكانتها بعد أن استخدمتها شبكة CNN كموسيقى خلفيّة مؤثّرة لتقارير هجمات ١١ أيلول ٢٠٠١، ما جعل صوتها يرتبط في وجدان الملايين بلحظات الحزن والأمل.

ورغم هذا المجد، لم تُقدم إينيا على أيّ جولةٍ فنيّة حتى اليوم. ففي عام ١٩٩٧، اشترت قلعة ماندرلي من القرن التاسع عشر مقابل ٢,٥ مليون جنيه إسترليني، وأعادت ترميمها وتزويدها بأنظمة أمن متقدّمة، لتختفي بعدها عن الأنظار. يقول أحد الجيران لصحيفة ذا صن: “لن تعرف أبدًا إن كانت في القصر أم لا، فكل شيء هادئ طوال الوقت.”

قلعة ماندرلي
قلعة ماندرلي

أما عن حياتها العاطفية، فقد صرّحت بصراحة: “عملي يأتي أولًا. بعد يومٍ سيئٍ في الاستوديو، أصبح عصبية وصعبة المزاج، وأحتاج إلى أن أكون وحدي. أيّ رجلٍ يمكنه التكيّف مع ذلك؟”

وتضيف بابتسامة هادئة: “علاقاتي هي مع اللحن والكلمات والأصوات الجميلة. البعض يظن أن هذا حزين، لكن صدّقوني، أنا سعيدة. أنا والموسيقى شيء واحد.”

غير أنّ العزلة لم تحمِها دائمًا، إذ تعرّضت لمطارداتٍ مقلقة من معجبين مهووسين، أبرزها عام ١٩٩٦ حين طاردها رجلٌ إيطاليّ لأكثر من عامٍ قبل أن يظهر في حانة عائلتها في دونيجال حاملاً قلادةً تحمل صورتها، وانتهى به الأمر إلى إيذاء نفسه بسكين. وفي ٢٠٠٥ اقتحم أحدهم قلعتها واحتجز خادمةً بحثًا عنها، قبل أن تختبئ في غرفةٍ آمنة داخل القصر.

ومنذ ذلك الحين، تجنّبت اللقاءات العامة وفضّلت حياة العزلة مع قططها وبعض الزيارات المحدودة من عائلتها وزميليها الفنيَّين نيكي وروما راين. حتى عمّها وصفها قائلًا: “إنها تعيش كالملكة… منعزلة بحق.”

ومع ذلك، لم تُطفئ هذه العزلة بريقها: فقد حصدت ٤ جوائز غرامي، ورُشّحت لجائزة أوسكار عن موسيقى فيلم “سيد الخواتم”. كما ألهمت موسيقاها أجيالًا من الفنانين، من فرقة ذا فوجيز في أغنيتهم “ريدي أور نوت” إلى ذا ويكند ومترو بومين في أغنية “كريبن” عام ٢٠٢٢، حيث شاركت إينيا فعليًّا في اختيار اسمها النهائي بعد رفض عناوين أخرى.

تبقى إينيا، حتى اليوم، لغزًا موسيقيًا فريدًا في عالمٍ يزدحم بالأضواء، إذ يعترف العاملون في صناعة الموسيقى بأنهم لا يعرفون عنها سوى القليل، فيما تواصل منصّاتها الرقميّة منذ عام ٢٠١٩ نشر إصداراتٍ مُرمّمة ونسخٍ فاخرةٍ من أعمالها.

ومع أنّها تعيش في عزلةٍ تامّة، إلا أنّها تظلّ أكثر الفنّانات الإيرلنديات مبيعًا عبر التاريخ، وتحمل تكريماتٍ فريدة بينها كوكب صغير باسمها (٦٤٣٣ إينيا) ونوع من الأسماك أُطلق عليه اسم Leporinus enyae، إضافة إلى حصولها على دكتوراه فخرية مزدوجة تقديرًا لمسيرتها.

واختتمت ذات مرّة قولها:

لا أحبّ آراء الآخرين. ليس جريمةً ألّا أرغب في الذهاب إلى النوادي الليلية. ماذا حلّ بخيار الإنسان؟

زر الذهاب إلى الأعلى