بعلبك تنفض غبار الحرب بأوبرا عالمية بروح لبنانية

في مشهد يجمع بين روعة المكان وقدسية الفن، افتتحت مهرجانات بعلبك الدولية لعام ٢٠٢٥ بعرض استثنائي لأوبرا “كارمن” الشهيرة، قدمها المخرج اللبناني-البرازيلي جورج تقلا برؤية فنية لبنانية، دمجت بين الأصالة الشرقية وقوة التعبير الأوبرالي الغربي، في احتفال طال انتظاره بعد عام من التوقف القسري.

على أدراج المعبد الروماني الضارب في عمق التاريخ، وبين الأعمدة الشاهقة التي شهدت على حضارات متعاقبة، احتشد أكثر من ٢٢٠٠ متفرج أتوا من مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى عدد كبير من المقيمين الأجانب، لعيش تجربة مسرحية وموسيقية مفعمة بالرمزية والجرأة.

أوبرا تتحدث لغة الشرق

عمل تقلا على إعادة صياغة “كارمن” لتلامس الواقع اللبناني، من حيث الشكل والمضمون. فقد أضاف للموسيقى الأصلية للفنان الفرنسي جورج بيزيه لمسات محلية، أبرزها إدخال عبارات مألوفة من التراث الغنائي مثل “يا ليل يا ليل” بأداء أوبرالي. كما تضمّن العرض ترجمات آنية على الجدران، سمحت للجمهور العربي والأجنبي بالتفاعل الكامل مع العمل.

وأكد المخرج في حديثه للصحافة: “أردت أن أقدّم كارمن بروح لبنانية خالصة. هذا العمل يتخطى الزمان والمكان، والمرأة التي تغني الحرية في هذه الأوبرا تُشبه كل من يرفض القمع والذل في هذا الشرق”.

تكريم في زمن الحرب

لم يمر العرض من دون لحظة مؤثرة، حيث أعلنت رئيسة لجنة المهرجانات نايلة دو فريج منح جورج تقلا وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثالثة، باسم رئيس الجمهورية جوزاف عون، تكريمًا لعمله الجريء في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد.

يأتي ذلك في وقت لا تزال فيه مناطق عدة، بينها محيط بعلبك، تتعرض لغارات إسرائيلية رغم الهدنة المعلنة منذ نوفمبر ٢٠٢٤، ما دفع اليونسكو العام الماضي إلى وضع قلعة بعلبك تحت حماية تراثية مؤقتة بعد تهديدات أمنية متكررة.

حضور لبناني في كل التفاصيل

رغم البصمة الفرنسية للعمل، كان الحضور اللبناني لافتًا في مختلف مكوناته. شارك عدد من مغني الأوبرا اللبنانيين إلى جانب الكورس المحلي التابع للجامعة الأنطونية، فيما قاد الأوركسترا المايسترو اللبناني توفيق معتوق بالتعاون مع راديو رومانيا.

صمم الأزياء المصمم اللبناني العالمي ربيع كيروز، الذي ابتكر أكثر من ٢٠٠ زي مستوحى من الزي التراثي اللبناني ولكن بأسلوب معاصر وخارج عن المألوف. أما الديكور، فكان من توقيع الفنان نبيل نحاس الذي استخدم تقنية الإسقاط الضوئي لتحويل جدران القلعة إلى لوحات فنية متحرّكة ترافق القصة.

من باريس إلى بعلبك… رحلة قرن ونصف

منذ عرضها الأول في باريس عام ١٨٧٥، واجهت “كارمن” نقدًا واسعًا بسبب صورتها الجريئة للمرأة. إلا أن الزمن أنصفها، وباتت من أشهر الأعمال الأوبرالية في التاريخ. وفي نسختها البعلبكية، تحوّلت إلى رسالة إنسانية تتجاوز النص لتخاطب كل من يعيش في ظل الاضطهاد والحرمان.

وقالت دو فريج في كلمتها: “صوت كارمن اليوم هو صوت من يقاوم بصمت… مهرجانات بعلبك تعود لتقول إن لبنان، رغم كل شيء، لا يزال يصنع الجمال”.

تفاعل جماهيري من كل الأعمار

لاقى العرض إشادة واسعة من الجمهور، لا سيما الشباب الذين كانت لهم فرصة نادرة لاكتشاف فن الأوبرا في بيئة محلية. وقال كريم حداد (٢١ عامًا) وهو طالب موسيقى جاء من بيروت: “كنت أشاهد كارمن فقط على الإنترنت، لكن رؤيتها على المسرح في بعلبك كان حلمًا تحقق… العرض كان ساحرًا”.

من جهته، عبّر سامي الهراوي، وهو ستيني من عشاق الأوبرا المخضرمين، عن إعجابه بالنسخة اللبنانية قائلاً: “حضرت أكثر من ٢٥ عرضًا لكارمن حول العالم، لكن أداء المغنية في بعلبك هو من الأفضل على الإطلاق… ولمسة الشرق جعلت العمل أكثر عمقًا”.

صيف بعلبكي واعد

تستمر مهرجانات بعلبك هذا الصيف، مع مجموعة من العروض الموسيقية والفنية المنتظرة، أبرزها حفل للفنانة هبة طوجي بعنوان “حقبات” في ٨ آب/أغسطس، من إنتاج أسامة الرحباني، ويتضمن تحية خاصة للموسيقار الراحل منصور الرحباني.

رغم كل الصعوبات، تثبت مهرجانات بعلبك عامًا بعد عام أن الثقافة في لبنان لا تستسلم، بل تقاوم وتضيء من قلب الظلام.

زر الذهاب إلى الأعلى