كيف تُنفق واشنطن الملايين على القمع وتتجاهل المعلمين والممرضين

في الوقت الذي يكافح فيه المعلمون والممرضون في الولايات المتحدة الأميركية لتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط أجور لا توازي حجم مسؤولياتهم أو مؤهلاتهم، تكشف بيانات رسمية صادمة عن فجوة مخيفة في سلم الرواتب بين من يُسهم في بناء المجتمع، ومن تُوكل إليه مهام السيطرة عليه.

وفقًا لمصادر متداولة، تعرض إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) رواتب سنوية تتراوح بين ١٣٢,٠٠٠ و١٨٥,٠٠٠ دولار أميركي للمناصب الإشرافية، بينما تصل إلى ٣٠٦,٠٠٠ دولار سنويًا لما يُعرف بـ”مديري معسكرات الاحتجاز”، وهي وظائف لا تتطلب أي مؤهل أكاديمي أو شهادة جامعية.

في المقابل، تشير الإحصاءات إلى أن الراتب الابتدائي للمعلم الأميركي يبلغ في المتوسط ٤٦,٥٢٦ دولار سنويًا، بينما يحصل الممرض على حوالي ٦٨,٤٨٥ دولار، رغم أن كِلا المهنتين تتطلبان الحصول على شهادة بكالوريوس على الأقل، وغالبًا ما يُشترط الحصول على درجة ماجستير أو تدريب متقدم لمزاولة العمل.

تساؤلات أخلاقية واستراتيجية

هذا التفاوت يفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية واستراتيجية حول أولويات الدولة الأميركية: كيف يمكن تبرير دفع مئات الآلاف من الدولارات لوظائف تتعلق بالاحتجاز والترحيل، في حين يتم تهميش من يُفترض أنهم خط الدفاع الأول عن الصحة والتعليم في البلاد؟

إنها ليست مجرد مسألة مالية، بل تمثل انعكاسًا لفلسفة حكم تتعمد – كما يرى بعض المراقبين – إبقاء الشعب الأميركي في حالة جهل ومرض، لأنه من الأسهل التحكم بمجتمع منهك معرفيًا وصحيًا. هذه السياسة لا تؤدي فقط إلى تقويض العدالة الاجتماعية، بل تساهم أيضًا في تغذية ما يُعرف بـ”المجمّع الصناعي للسجون”، حيث يُستثمر في السجون كما يُستثمر في المصانع، ويُنظر إلى السجناء كأصول إنتاجية لا بشرًا.

الهيمنة على حساب الإنسان

من المثير للقلق أن يُنفق على الأمن الداخلي والهجرة والجمارك، بما في ذلك مراكز الاحتجاز التي وُصفت من قِبل منظمات حقوق الإنسان بأنها “معسكرات احتجاز لاإنسانية”، أضعاف ما يُنفق على مدارس عامة تكاد تنهار، ومستشفيات تعاني من نقص في الكادر.

في هذا السياق، تبدو مقولة “لا نملك الميزانية الكافية لتحسين رواتب المعلمين والممرضين” مجرد كذبة ممنهجة، تُخفي وراءها رغبة مدروسة في إبقاء من يُعلّم ويُعالج في موقع الضعف.

بناء المستقبل يبدأ بإعادة التوازن

إذا كانت الولايات المتحدة تسعى فعلاً إلى بناء مستقبل مزدهر وآمن، فإن نقطة الانطلاق الحقيقية تكمن في دعم القطاعات التي تبني الإنسان، لا التي تُقيّده. يجب أن تتحول رواتب التعليم والتمريض إلى أولوية وطنية، لا أن تُقارن بوظائف لا تحتاج إلى تعليم وتُمنح رواتب خيالية.

في بلد يرفع شعارات الديمقراطية والحرية، يصبح من المعيب أن يُعامل المعلم والممرض كعبء مالي، بينما يُكافأ من يدير “مرافق الاحتجاز” بلا شهادة جامعية بعشرات أضعاف الراتب. لقد آن الأوان لإعادة النظر في القيم التي تُبنى عليها السياسات العامة في الولايات المتحدة، قبل أن تستهلك الدولة نفسها من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى