في أوائل القرن العشرين، وتحديدًا في شباط من عام ١٩٠٣، وقف رجل يُدعى دانيال بارينجر وسط صحراء أريزونا، يتأمل فوهةً عملاقة يلفّها الغبار والغموض. كان قطرها يزيد على ١٬٢٠٠ متر، وعمقها يتجاوز ١٧٠ مترًا، وتحيط بها حافة ترتفع حوالي ٤٥ مترًا عن الأرض المحيطة. حيّرت هذه الحفرة العلماء طويلاً، إذ اعتقد معظم الجيولوجيين، وعلى رأسهم العالِم الشهير غروف كارل غيلبرت، أنها نتيجة لانفجار بركاني قديم.
لكن بارينجر، وهو مهندس تعدين شغوف بعلم الفضاء والمعادن، رأى في الفوهة أمرًا مختلفًا… ضربة سماوية.
صرّح بارينجر بثقة لا تتزعزع:
“هذه ليست فوهة بركانية، بل حفرة أحدثها نيزكٌ حديدي عملاق، ارتطم بالأرض بسرعة خارقة.”
واجه بارينجر سخرية المجتمع العلمي، إذ قيل له مرارًا:
“لو كان هناك نيزك بهذا الحجم، لوجدناه مدفونًا في مكانٍ ما!”
إلا أن بارينجر لم يتراجع عن قناعته. اشترى الأرض المحيطة بالفوهة، وأسس شركة خاصة، واستقدم معدات حفر ضخمة، وبدأ في استنزاف ثروته بالكامل في مهمة لإثبات نظريته. كان مقتنعًا أن كتلة الحديد النيكلية ما تزال في أعماق الحفرة، تنتظره لاستخراجها.
لسنوات، واصل الحفر دون كلل، وأنفق مبالغ طائلة. لم يجد سوى شظايا حديدية، وغبار معدني، وحتى ألماسًا مجهريًا. لكن هذه الدلائل أكدت أن الفوهة ليست بركانية، بل نتيجة تصادم نيزكي عنيف.
وقد أثبتت الدراسات لاحقًا أن النيزك كان يتحرك بسرعة تفوق ٤٠٬٠٠٠ كيلومتر في الساعة عند اصطدامه بالأرض، ما أدى إلى تبخّره الكامل بسبب الحرارة الهائلة الناتجة عن التصادم، دون أن يترك أي جسم صلب في الأرض.
في آذار من عام ١٩٢٩، رحل دانيال بارينجر عن الدنيا فقيرًا، محطمًا ماليًا، ومهمّشًا علميًا. إلا أن الحقيقة ظهرت بعد وفاته.
في ستينيات القرن العشرين، وبعد تطور تقنيات تحليل آثار الصدمات النيزكية، تمكّن العلماء من إثبات صحة نظريته بالدليل القاطع: الفوهة نشأت فعلًا من اصطدام نيزك ضخم بالأرض.
لقد كان بارينجر على حق، لكن الاعتراف جاء متأخرًا، بعد أن دفن حلمه معه.
قصة دانيال بارينجر ليست مجرّد مغامرة علمية، بل شهادة حية على قوة الإيمان بالفكرة، والثبات في وجه الرفض والسخرية. لقد خسر المال، وخسر الاعتراف، وخسر راحة الحياة… لكنه ترك أثرًا خالدًا في قلب صحراء أريزونا.
فوهة بارينجر (بالإنجليزية: Barringer Crater)، المعروفة أيضًا باسم ميتيور كريتر (Meteor Crater)، هي فوهة ناتجة عن اصطدام نيزك، وتقع على بُعد حوالي ٦٠ كيلومترًا شرق مدينة فلاجستاف، و٢٩ كيلومترًا غرب مدينة وينسلو، في صحراء أريزونا، الولايات المتحدة.
وقد أُطلق عليها اسم ميتيور كريتر نسبة إلى مكتب بريد قريب يحمل الاسم نفسه، وفق العادة الأميركية في تسمية المعالم الجغرافية بحسب أقرب مكتب بريدي. وكان يُعرف الموقع سابقًا باسم فوهة أخدود ديابلو (Canyon Diablo Crater)، وتُعرف شظايا النيزك التي وُجدت في الموقع باسم نيزك أخدود ديابلو.
أما العلماء، فيستخدمون اسم فوهة بارينجر تكريمًا لدانيال بارينجر، الذي كان أول من اقترح أنها نتاج اصطدام نيزكي. وتُعدّ الفوهة اليوم ملكية خاصة تعود إلى عائلة بارينجر، عبر شركة تدير الموقع، وتعلن أنه “أفضل فوهة نيزكية محفوظة على وجه الأرض”.
على الرغم من أهميتها الجيولوجية، لم تُصنّف الفوهة كمعلم تذكاري وطني بسبب شرط الملكية الفيدرالية، إلا أنها أُدرجت كمعلم طبيعي وطني في تشرين الثاني من عام ١٩٦٧.
تقع الفوهة على ارتفاع يقارب ١٬٧٤٠ مترًا فوق مستوى سطح البحر، ويبلغ قطرها حوالي ١٬٢٠٠ متر، وعمقها حوالي ١٧٠ مترًا، وتحيط بها حافة ترتفع ٤٥ مترًا فوق الأرض المحيطة بها.
وهكذا، لا تزال فوهة بارينجر قائمة حتى اليوم، شاهدة على إصرار رجل سبق عصره، وآمن بفكرته حتى النهاية.

