الشرق الأوسط على صفيح ساخن: ما هي تداعيات التصعيد الإسرائيلي-الإيراني؟

شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيداً خطيراً وغير مسبوق خلال الساعات الماضية، مع شن إسرائيل هجمات واسعة النطاق على قلب المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية يوم الجمعة، 13 حزيران 2025. هذه الهجمات، التي ادّعت اسرائيل بوصفها “وقائية”، استهدفت مواقع حيوية باستخدام طائرات حربية وطائرات مسيرة يُعتقد أنها تم تهريبها إلى داخل إيران. وتضمنت الأهداف منشآت تخصيب اليورانيوم الرئيسية في نطنز وفوردو، بالإضافة إلى مواقع عسكرية ومنصات صواريخ رادار ودفاع جوي في غرب إيران. كما أسفرت الضربات عن مقتل كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين، بمن فيهم رئيس الأركان الإيراني محمد باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس قيادة الطوارئ غلام علي رشيد، وستة علماء نوويين على الأقل.

تلا هذه الهجمات الإسرائيلية رد إيراني مباشر وغير مسبوق، حيث أطلقت إيران مساء الجمعة، وصباح اليوم السبت 14 حزيران 2025، أكثر من 150 صاروخاً باليستياً وأكثر من 100 طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، مستهدفة مواقع عسكرية عدّة، في عملية أطلقت عليها اسم “الوعد الصادق 3”. وقد أثارت هذه التطورات ردود فعل إيرانية أولية تمثلت في إطلاق حوالي 100 طائرة مسيّرة كانت معظمها كشافة باتجاه إسرائيل. وتعهدت إيران برد “قوي” و”حازم ومتناسب”.  وبدأت المخاوف تتصاعد من انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة، حيث حذّرت العديد من الدول والمنظمات الدولية من “تصعيد إقليمي خطير ووقح”.

في ظل هذا الوضع المتفجر، يكتسب هذا التحليل الهادئ والموضوعي أهميّة قصوى لفهم الأبعاد الحقيقية للأزمة وتداعياتها المحتملة على المنطقة والعالم، بعيداً عن أي مبالغة أو تهويل.

أهداف ومبررات وتأثير الهجوم

ركزت الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية رئيسية مثل منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، حيث شوهد دخان أسود يتصاعد منها، ومنشأة فوردو الأصغر حجماً. كما استهدفت عشرات منشآت الرادار ومنصات صواريخ أرض-جو في غرب إيران. وأظهرت مقاطع فيديو وتحليلات الأقمار الصناعية أضراراً كبيرة في عدة مبانٍ حول مجمع نطنز، بما في ذلك محطة تخصيب الوقود التجريبية والمحطة الفرعية الكهربائيّة في الموقع. ووصفت الهجمات بأنها “موجة ضخمة من الضربات الجوية” شاركت فيها حوالي 200 طائرة إسرائيليّة استهدفت ما يقرب من 100 موقع ومكان. وأفادت تقارير غير مؤكدة بأن الموساد تمكن من إطلاق طائرات مسيّرة من داخل إيران كجزء من هذا الهجوم.

وقد أسفرت الهجمات عن مقتل كبار الشخصيات العسكرية والعلمية الإيرانية، بمن فيهم رئيس الأركان الإيراني محمد باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس قيادة الطوارئ غلام علي رشيد، وستة علماء نوويين على الأقل، منهم فريدون عباسي ومحمد مهدي طهرانجي. كما ذكرت وسائل إعلام إيرانية سقوط مدنيين، بينهم أطفال، في مناطق سكنية بطهران.

وقد بررت إسرائيل هجماتها بأنها “ضربات استباقية” ضرورية لدرء تهديد وشيك من إيران لبناء قنابل نووية. وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن “هذا يشكل خطراً واضحاً وقائماً على بقاء إسرائيل”، متعهداً بمواصلة الهجوم “طالما كان ذلك ضرورياً لإزالة هذا التهديد”. وترى تل أبيب أن الجمهورية الاسلامية تقترب من “نقطة اللاعودة” في تطوير أسلحة نووية، وأن برنامجها يمثل تهديداً وجودياً. وأكد الجيش الإسرائيلي أن منشأة نطنز “تضررت بشكل كبير” وأن العملية “لا تزال في بدايتها”. كما أشار إلى تضرر المنطقة تحت الأرض في فوردو، والتي تحتوي على قاعة تخصيب متعددة الطوابق وغرف كهربائيّة وبنية تحتية داعمة.3 بينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أن السلطات الإيرانية أبلغتها بعدم وجود زيادة في مستويات الإشعاع في نطنز، وأن موقع فوردو لم يتأثر.

في الاطار عينه جاءت الضربات الإسرائيلية بعد يوم واحد من إدانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران لعدم امتثالها لالتزامات عدم الانتشار النووي، وهي المرة الأولى منذ 20 عاماً. وردت الأخيرة بإعلانها عن بناء موقع تخصيب نووي ثالث وتفعيله، واستبدال أجهزة الطرد المركزي القديمة بأخرى متطورة.في وقت تزامنت الهجمات مع تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتي كان من المقرر عقد جولة جديدة منها قريباً. ورجّحت معلومات أن تؤديالاعتداءات إلى نسف هذه المحادثات.

الى ذلك، يُظهر الهجوم تحولاً في نهج إسرائيل، التي كانت تتجنب في السابق توجيه ضربات مباشرة لإيران خشية زعزعة استقرار المنطقة. هذا التغيير يعود جزئياً إلى ضعف وكلاء إيران (حماس، حزب الله) بعد حرب غزة ولبنان، وفشل الهجمات الإيرانية المباشرة السابقة على إسرائيل. كما يُعتقد أن الدولة العبرية تمتلك اختراقاً استخباراتياً ممتازاً داخل الجمهورية الاسلامية. في وقت كشفت معلومات أن التخطيط للهجوم بدأ منذ تشرين الثاني من عام 2024، وتأجل من نيسان 2025 ويبدو أن التوقيت استغل نافذة فرص متضائلة قبل أن تقترب إيران أكثر من القدرة على صنع قنبلة نووية حسب المزاعم الاسرائيلية.

أبرز الضربات الإسرائيلية والأضرار المبلغ عنها

الهدف نوع الهجوم الأضرار المبلغ عنها
منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم ضربات جوية مكثفة “تضرر كبير” ، دخان أسود يتصاعد ، أضرار في مبانٍ ومحطة كهرباء.
منشأة فوردو النووية ضربات جوية تقارير عن انفجارات ضخمة، تضرر المنطقة تحت الأرض، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقول أنّها لم تتأثر.
منشآت رادار ودفاع جوي في غرب إيران ضربات جوية تدمير عشرات المنشآت.
قيادات عسكرية وعلمية إيرانية ضربات جوية واستهداف مباشر مقتل رئيس الأركان، قائد الحرس الثوري، رئيس قيادة الطوارئ، و6 علماء نوويين.
مناطق سكنية في طهران ضربات جوية تقارير عن سقوط مدنيين، بينهم أطفال.

تُشير المعطيات إلى أن إسرائيل بررت هجومها بـ”تهديد وشيك” من إيران لبناء قنبلة نووية  وأنها كانت “تقترب من نقطة اللاعودة”. كما أن الهجوم جاء بعد إدانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران وتعثر المفاوضات النووية. في الوقت نفسه، تُبين المعطيات ضعف وكلاء إيران واختراق استخباراتي إسرائيلي عميق.هذا لا يشير فقط إلى ضربة وقائية، بل إلى استغلال إسرائيل لنافذة استراتيجية محسوبة بعناية. وضعف وكلاء إيران يقلل من قدرتها على الرد عبرهم، مما يمنح إسرائيل هامشاً أكبر للمناورة. وتزامن الهجوم مع تعثر المفاوضات النووية وإدانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يضع إيران في موقف دبلوماسي ضعيف، مما قد يجعلها أقل قدرة على حشد الدعم الدولي ضد إسرائيل. مما يعكس قراراً إسرائيلياً بزيادة المخاطر بعد تغيير في تقييم التهديد والفرصة.

اضافة الى أن التقارير تؤكد مقتل كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين. وتذكر مصادر أن هذا الاستهداف يهدف إلى “تقويض قيادة إيران وسيطرتها وقيادتها العسكرية” و”شل قدرة إيران على الرد”. وهذا يتجاوز مجرد تدمير البنية التحتية؛ فاستهداف القيادات العليا لا يهدف فقط إلى إعاقة البرنامج النووي على المدى القصير، بل أيضاً إلى إحداث صدمة في بنية القرار الإيرانية، مما يؤثر على التخطيط طويل الأجل وقدرة النظام على الاستجابة بشكل متماسك. وهذا يعكس استراتيجية “قطع الرأس” التي قد تكون إسرائيل طبّقتها سابقاً في صراعات أخرى، بهدف إحداث شلل أو إجبار على تغيير في السلوك.

حسابات استراتيجية وخيارات التصعيد

بعد الضربات الإسرائيلية، شنت إيران هجوماً صاروخياً واسع النطاق مساء الجمعة وصباح اليوم، أطلقت خلاله أكثر من 150 صاروخاً باليستياً وأكثر من 100 طائرة مسيرة باتجاه إسرائيل، في عملية أطلقت عليها اسم “الوعد الصادق 3”. استهدفت الصواريخ والطائرات المسيرة مناطق مختلفة في إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب، حيث أفادت التقارير بإصابة 41 شخصاً، اثنان منهم بجروح خطيرة، وإنقاذ شخصين من مبنى تعرض لضربة في تل أبيب. على الرغم من إطلاق هذا العدد الكبير من المقذوفات، زعم الجيش الإسرائيلي أن معظم الصواريخ والطائرات المسيرة تم اعتراضها أو سقطت قبل الوصول إلى أهدافها، بمساعدة من الولايات المتحدة. وفي أعقاب الهجوم، رفعت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أوامر البقاء في الملاجئ في جميع أنحاء البلاد. وكانت إيران قد أطلقت في وقت سابق من يوم الجمعة ايضًا حوالي 100 طائرة مسيرة باتجاه إسرائيل كـ”رد أولي”، تم اعتراض معظمها أيضاً حسب مزاعم تل ابيب. كما هددت إيران باستهداف البنية التحتية الاقتصادية والطاقة الإسرائيلية بشكل فوري إذا تعرضت منشآتها لضربات مماثلة.

تتعدد الخيارات المحتملة للرد الإيراني. حيث تمتلك الجمهورية الاسلامية ترسانة ضخمة من الصواريخ قصيرة المدى، وقد أطلقت سابقاً أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ على إسرائيل في نيسان 2024. ومع ذلك، فإن فعالية هذه الصواريخ ضد الدفاعات الإسرائيلية متعددة الطبقات (مثل القبة الحديدية) محدودة. كما كثفت إيران عملياتها السيبرانية في السنوات الماضية، مستهدفة شبكات الطاقة والمياه والأنظمة العسكرية والشبكات المالية الخاصة في إسرائيل. وقد كشفت إيران مؤخراً أنها استولت على “كنز مهم” من المعلومات المتعلقة بالبرنامج النووي الإسرائيلي، مما يشير إلى قدرتها على الرد دون صراع مادي.

على صعيد الوكلاء، على الرغم من أن حزب الله كان عنصراً حيوياً في استراتيجية الردع الإيرانية، إلا أن قدراته العسكرية تدهورت بسبب الحرب الأخيرة مع إسرائيل. وتشير تقارير مبكرة إلى أنه قد يكون متردداً في الانجرار إلى حرب أخرى مع إسرائيل. أما الحوثيون في اليمن، فقد هددوا بدعم إيران إذا تصاعدت التوترات مع إسرائيل. وقد يؤدي أي رد حوثي إلى نسف الهدنة الأميركية-الحوثيّة الأخيرة. وعلى الرغم من ضعف حماس،إلا أن طهران قد تحاول تفعيل أصولها في الضفة الغربية أو داخل إسرائيل لزرع الفوضى.

يمكن لإيران أيضاً أن تهدد أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره حوالي خُمس النفط العالمي. وهذا الخيار سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.

في السياق العسكري تعاني القيادة الإيرانية من “قطع رأس” بسبب مقتل كبار القادة، مما قد يؤثر على التخطيط طويل الأجل والقدرة على الرد بشكل فعال. وهناك قلق داخلي إيراني من تجدد الاحتجاجات بسبب فشل الأمن القومي،مما قد يدفع النظام إلى رد فعل محسوب لتجنب المزيد من زعزعة الاستقرار الداخلي.

من ناحية ثانية، فإنّ الضربات الإسرائيلية قد تدفع المتشددين داخل المؤسسة الأمنيّة الإيرانية إلى تسريع وتيرة البرنامج النووي بهدف امتلاك قنبلة كـ”رادع” ضد الهجمات المستقبلية. إذ أنّ إيران غنية باليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي خطوة تقنية قصيرة عن مستويات 90% اللازمة للأسلحة.

وعلى الرغم من التهديدات القوية، فإن الرد الإيراني قد يكون محسوباً لتجنب حرب شاملة لا تستطيع تحمل تكلفتها في ظلّ ضعف وكلائها وقياداتها. فالرد الأولي المحدود قد يكون محاولة لـ”حفظ ماء الوجه” داخلياً وإقليمياً، مع ترك خيارات التصعيد مفتوحة إذا استمرت إسرائيل في هجومها. وهذا يشير إلى أنها قد تتبنى استراتيجية الرد “غير المتماثل” أو “الانتظار”، بدلاً من الرد الفوري الشامل، لتقييم الوضع وتجنب استدراج الولايات المتحدة إلى الصراع المباشر.

هذا الهجوم قد يكون له تأثير عكسي على المدى الطويل، حيث يدفع بالجمهورية الاسلامية إلى التخلي عن أي قيود طوعية على برنامجها النووي. وبدلاً من تعطيله قد توفر الضربات الإسرائيلية ذريعة للمتشددين الإيرانيين لتسريع جهودهم نحو امتلاك سلاح نووي كـ”رادع نهائي” ضد الهجمات المستقبلية، مما يؤدي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة. حيث سيمثل هذا الامر  معضلة أمنية خطيرة، وينعكس الهدف المعلن للضربات مما قد يؤدي إلى النتيجة التي تسعى إسرائيل لتجنبها.

سيناريوهات الرد الإيراني المحتملة

نوع الرد التفاصيل التأثير المحتمل
رد محدود (طائرات مسيرة، هجمات سيبرانية) إطلاق طائرات مسيرة (تم بالفعل)، هجمات سيبرانية على البنية التحتية الإسرائيلية. حفظ ماء الوجه، إزعاج، لكن دون تصعيد كبير.
رد عبر الوكلاء (حزب الله، الحوثيون) إطلاق صواريخ من لبنان أو اليمن، هجمات على أهداف إسرائيلية أو أميركية في المنطقة. تصعيد إقليمي، لكن قد يكون محدوداً بسبب ضعف الوكلاء.
رد مباشر بالصواريخ الباليستية إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل (تم بالفعل). تصعيد كبير، خطر حرب شاملة، لكن فعالية محدودة بسبب الدفاعات الإسرائيلية.
إغلاق مضيق هرمز استخدام ألغام بحرية، غواصات، صواريخ لتعطيل الملاحة. أزمة نفط عالمية، ارتفاع هائل في الأسعار، تدخل دولي واسع.
تسريع البرنامج النووي زيادة التخصيب، الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار. سباق تسلح نووي إقليمي، ضغوط دولية وعقوبات.

 شبح الحرب الإقليمية

أدت الضربات الإسرائيلية والرد الإيراني المباشر بالصواريخ إلى اقتراب الخصمين من “حرب شاملة”. ويحذر المحللون من أن الهجمات يمكن أن “تدهور الوضع المتوتر بالفعل في الشرق الأوسط بشكل كبير وتشعل حرباً إقليمية أوسع”. وتخشى العديد من الدول الإقليمية من امتداد الصراع بطرق غير متوقعة.

وفي أعقاب الهجمات، أعلنت إيران إغلاق مجالها الجوي حتى اليوم، كما علقت شركات طيران أميركية رحلاتها إلى تل أبيب. وأعلنت الولايات المتحدة مجدداً أنها لم تشارك في الهجوم الإسرائيلي على الرغم من أن كل المؤشّرات توحي بالمشاركة وبشكل فعّال، وحذرت إيران من استهداف المصالح أو الأفراد الأميركيين. ومع ذلك، أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة ساعدت إسرائيل في اعتراض الصواريخ الإيرانية. على الرغم من النأي بالنفس، فإن واشنطن حليف ثابت لإسرائيل، وقد قدمت مساعدة كبيرة في إسقاط الصواريخ الإيرانية السابقة. يبدو أن استراتيجية ترامب هي الموازنة بين دعم إسرائيل والضغط على إيران للعودة إلى المفاوضات. وقد تصبح الولايات المتحدة هدفاً للانتقام الإيراني، مما قد يجرها إلى صراع لا تريده.

في ظل هذا المشهد القاتم ووقاحة وصلافة بنيامين نتانياهو وجنونه، شهدت أسواق النفط العالمية ارتفاعاً فورياً، حيث قفز سعر خام برنت بأكثر من 10% بعد الاعتداءات. ويعكس هذا الارتفاع مخاوف من تعطل إمدادات النفط في المنطقة. وتتركز المخاوف الرئيسية على مضيق هرمز، فإذا استهدفت إيران البنية التحتية أو الشحن في هذا الممر، فقد يكون التأثير على الإمدادات العالمية شديداً. اضافة الى ذلك تأثرت أسواق الأسهم العالمية أيضاً، مع انخفاض المؤشرات في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وارتفعت الأصول الآمنة مثل الذهب والفرنك السويسري.

في هذا السياق، تتأثر احتمالية التهدئة أو التصعيد بعدة عوامل. يمكن أن تساهم الوساطة من أطراف ثالثة مثل تركيا، قطر، عمان، أو حتى روسيا في التهدئة. كما أن الضغط الأميركي على إسرائيل لضبط النفس وحسابات إيران الداخلية لتجنب حرب شاملة قد تؤدي إلى “انهيار اقتصادي وعزلة أعمق”، بالإضافة إلى تركيز الدول الإقليميّة على الاستقرار الاقتصادي والتحديث،كلها عوامل قد تدفع نحو التهدئة.

في المقابل، يمكن أن يؤدي استمرار الضربات الإسرائيلية، أو رد إيراني “غير متوقع” أو “غير محسوب”،أو انجراف الولايات المتحدة إلى الصراع، أو انهيار كامل للمفاوضات النووية، أو قرار إيران بتسريع برنامجها النووي بشكل كبير، إلى المزيد من التصعيد.

الوضع الحالي يضع الولايات المتحدة في موقف حرج. فمن ناحية، تسعى لتجنب الانجرار المباشر في صراع إقليمي واسع قد يشتت تركيزها عن قضايا أخرى. ومن ناحية أخرى، فإن أي ضعف في ردعها ضد الهجمات الإيرانية على مصالحها أو حلفائها قد يقوض مصداقيتها في المنطقة. وهذا يخلق توازناً دقيقاً بين دعم إسرائيل والحفاظ على مسافة استراتيجية، ويزيد من تعقيد استراتيجية الردع الأميركية في الشرق الأوسط.

على الرغم من أن إغلاق مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط قوية لإيران، إلا أنه سلاح ذو حدين. فتعطيل الملاحة سيضر بالجمهورية الاسلامية نفسها من خلال قطع إيرادات النفط الحيوية، كما سيضر بأكبر عملائها مثل الصين، التي لديها مصلحة في الحفاظ على تدفق النفط. وهذا يقلل من احتمالية الإغلاق الكامل، ويجعل إيران تفضل التهديد أو التعطيل الجزئي بدلاً من التوقف الشامل الذي قد يؤدي إلى تدخل دولي واسع النطاق.

الملاحة في مشهد متقلب

هذا الاعتداء الضخم على ايران جعل العديد من الدول العربية تدين الهجمات الإسرائيلية. فوصفت مصر العملية بأنها “تصعيد إقليمي خطير ووقح”، بينما وصفتها السعودية بأنها “انتهاك واضح للقانون الدولي”. وارخى الهجوم على الدول الإقليمية الشعور بقلق بالغ من امتداد الصراع، حيث لا ترغب في الانجرار إلى مواجهة لا ناقة لها فيها ولا جمل.

بعد هجوم حماس في 7 تشرين الاول من عام 2023، تغير المشهد الجيوسياسي. فالدول الخليجية التي كانت تشارك إسرائيل في اعتبار إيران تهديداً رئيسياً وبدأت في تطبيع العلاقات معها، ترى الآن أن طهران أصبحت “أقل تهديداً”. وهذا التحول قد يدفع بعض الدول السنّية إلى التخلي عن تحالفها الضمني مع إسرائيل. مع تركيزها بشكل متزايد على التحديث الاقتصادي والاستقرار السياسي. وتسعى دول مثل عمان وقطر إلى لعب دور الوسيط خلف الكواليس لتهدئة التوترات.

وقد أعرب الاتحاد الأفريقي عن “قلقه البالغ” ودعا إلى “وقف فوري للأعمال العدائية” و”أقصى درجات ضبط النفس”، مشيراً إلى أن التطورات الحالية تشكل “تهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين”. وتباينت استجابات الدول الأفريقية، متأثرة بعلاقاتها التاريخية ومصالحها المعاصرة. فبعضها مثل كينيا وإثيوبيا، تعمق علاقاتها مع إسرائيل، خاصة في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب. وهذه الدول تركز على التنمية الاقتصادية ومصالحها الوطنية، وتعتبر التعاون مع إسرائيل جزءاً من ذلك. على الرغم من أن أنماط التصويت في الأمم المتحدة غالباً ما تكون غير مواتية لتل أبيب، إلا أن الحكومات الأفريقية ظلّت محايدة إلى حد كبير في مواقفها العامة بشأن صراع غزة.

ويخشى الجميع من أن يؤدي التصعيد إلى “حرب إقليمية واسعة النطاق” تعرّض جهود الاستقرار والنمو الاقتصادي للخطر. وهناك قلق من تداعيات إنسانية واقتصاديّة على المدنيين، خاصة في المناطق التي تعاني بالفعل من أزمات إنسانية.

قبل 7 تشرين الاول 2023، كانت دول الخليج وإسرائيل تتقاسم رؤية إيران كتهديد رئيسي. أما الآن، بعد 20 شهراً من حرب غزة، ترى هذه الدول أن إيران “أقل تهديداً”،وهناك حديث عن “تخلي” الدول السنية عن إسرائيل. هذا يشير إلى تآكل محتمل في التحالفات الإقليمية التي تشكلت في السنوات الماضية لمواجهة إيران. إذ أن حرب غزة وتداعياتها، بالإضافة إلى الضربات الإسرائيلية الأخيرة على إيران، قد تدفع الدول العربية إلى إعادة تقييم مصالحها، والابتعاد عن الاصطفاف العلني مع الدولة العبرية، والتركيز على بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، بما في ذلك الصين كوسيط،بهدف الحفاظ على الاستقرار الإقليمي الذي يخدم أجنداتها الاقتصادية.

الاتحاد الأفريقي يعرب عن قلقه العام ويدعو لضبط النفس. في المقابل، بعض الدول الأفريقية تعمق علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، وترى في إسرائيل شريكاً في مكافحة الإرهاب. هذا يوضح أن أفريقيا ليست كتلة واحدة في مواقفها الجيوسياسية. بينما يعبر الاتحاد الأفريقي عن موقف جماعي يركز على السلام والاستقرار، فإن الدول الأفريقية الفردية تتخذ قراراتها بناءً على مصالحها الوطنية المباشرة، مثل الأمن والتنمية الاقتصادية. هذا يجعل القارة ساحة نفوذ متزايدة الأهمية للقوى الإقليمية والدولية، حيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز علاقاتها هناك كـ”شريان حياة استراتيجي” في ظل تزايد الانتقادات الغربية.

مواقف ومصالح الأطراف الإقليمية (العربية والأفريقية)

الطرف الموقف الرسمي المصالح الجيوسياسية
المملكة العربية السعودية إدانة شديدة للضربات الإسرائيلية، وصفها بـ”انتهاك واضح للقانون الدولي”. تجنب الانجرار لحرب إقليمية، التركيز على التنمية الاقتصادية، إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل بعد 7 تشرين الاول.
مصر وصف العملية بأنها “تصعيد إقليمي خطير ووقح”. الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، تجنب تدفق اللاجئين، ضمان أمن الملاحة في قناة السويس.
الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى قلق بالغ من امتداد الصراع، دعوات لضبط النفس. حماية الاستثمارات الاقتصادية، الحفاظ على دور الوساطة (عمان، قطر)، تجنب الاصطفاف العلني.
الاتحاد الأفريقي قلق بالغ، دعوة لوقف فوري للأعمال العدائية وضبط النفس. الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، تجنب زعزعة الاستقرار الإقليمي في أفريقيا.
دول أفريقية (مثل كينيا، إثيوبيا) تعميق العلاقات مع إسرائيل، التركيز على التعاون الأمني والاقتصادي. مكافحة الإرهاب، التنمية الاقتصادية، تحقيق المصالح الوطنية بغض النظر عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

المستقبل والمجهول

يبقى المستقبل غامضاً، مع وجود العديد من أوجه عدم اليقين. هل ستستمر إسرائيل في حملتها لـ”أيام أو أسابيع”؟ ما هو حجم وشكل الرد الإيراني المقبل، وهل سيكون مباشراً أم عبر الوكلاء، وهل سيتضمن بعداً سيبرانياً أو نووياً؟ هل ستنجح جهود الوساطة الدولية في احتواء التصعيد؟ على الرغم من أن المسار الأكثر ترجيحاً كان يُعتقد أنه “تصعيد متحكم فيه”، إلا أن الرد الصاروخي المباشر يرفع بشكل كبير من خطر الانزلاق إلى حرب شاملة. ومع ذلك، فإن خطر “سوء التقدير” يظل مرتفعاً.

والمطلوب حاليا ان يُبقي الوضع الحالي توازناً دقيقاً بين الردع والدبلوماسية. ويجب على الولايات المتحدة أن توازن بين دعم إسرائيل والضغط من أجل التهدئة. في حين على إيران أن تقرر ما إذا كانت ستخاطر بانهيار اقتصادي وعزلة أعمق من خلال التصعيد، أو ستسعى إلى خفضه. وهنا لا بدّ من ان تعتمد استجابة المنطقة على قدرة الأطراف الرئيسية على تجنب الانزلاق إلى صراع شامل، مع الأخذ في الاعتبار المصالح المتضاربة والمخاوف الأمنية لكل طرف. لقد فتحت هذه التطورات فصلاً جديداً في الصراع الإسرائيلي-الإيراني. إذ إن أي خطأ في الحسابات قد يشعل المنطقة بأسرها.

إسرائيل كانت مترددة في السابق بضرب إيران مباشرة. لكنها الآن تشن هجمات واسعة النطاق على الأراضي الإيرانية وتستهدف قيادات عليا. وهذا يشير إلى أنها تجاوزت الخطوط الحمراء السابقة التي كانت تضعها لنفسها أو التي كانت تفرضها عليها الولايات المتحدة. وهذا التحول يعكس تغيراً جذرياً في استراتيجية تل أبيب للمخاطر بعد أحداث 7 تشرين الاول 2023، فهي  لم تعد مستعدة لتقييد نفسها خشية زعزعة الاستقرار الإقليمي أو معارضة الولايات المتحدة، بل أصبحت أكثر استعداداً للعمل من جانب واحد لدرء ما تراه تهديداً وجودياً. وهذا قد يؤسس لسوابق جديدة في المنطقة، ويجعل من الصعب التنبؤ بردود الفعل المستقبلية لأيّ من الطرفين.

في النهاية على الرغم من الفعالية العسكرية الظاهرة للضربات الإسرائيلية، فإنها قد تكون ذات عواقب استراتيجية عكسية على المدى الطويل. فإسرائيل حققت “نجاحاً تكتيكياً” في إلحاق أضرار بمنشآت نووية واغتيال قيادات. لكن خبراء يحذرون من أن هذه الضربات قد تدفع إيران لـ”الاندفاع نحو قنبلة” أو “سباق تسلح نووي”. وبدلاً من القضاء على التهديد النووي الإيراني، قد تدفعه إلى مسار أكثر خطورة وغير قابل للسيطرة، مما يزيد من احتمالية المواجهة المباشرة أو انتشار الأسلحة النووية في المنطقة. وهذا يبرز التوتر بين الأهداف التكتيكية قصيرة المدى والعواقب الاستراتيجية طويلة المدى في الصراعات المعقدة.

 

ج.س

زر الذهاب إلى الأعلى