
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثالث والعشرين من الشهر الجاري عن نيته فرض تعرفة جمركية موحدة بنسبة خمسين في المئة على جميع الواردات القادمة من الاتحاد الأوروبي، مع تحديد الأول من حزيران موعداً لبدء تنفيذ هذه الإجراءات. وجاء هذا الإعلان في أعقاب مفاوضات تجارية بين واشنطن وبروكسل اعتبرتها الإدارة الأمريكية غير مرضية ولم تحقق النتائج المرجوة.
ومع ذلك، وبعد مكالمة هاتفية أجراها ترامب مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قرر تأجيل تطبيق التعريفات الجمركية إلى التاسع من تموز، مما أتاح وقتاً إضافياً لاستكمال المناقشات ومحاولة التوصل إلى تفاهمات تضمن تجنب التصعيد التجاري بين الطرفين.
يبرر ترامب هذه الخطوة برغبته في تصحيح ما يصفه بـ “الاختلالات التجارية غير المواتية” التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية. ويؤكد أن الاتحاد الأوروبي يفرض حواجز على الصادرات الأمريكية، وخاصة في قطاعات المنتجات الزراعية والسيارات، في حين يتمتع هو بمزايا تسهل وصول منتجاته إلى السوق الأمريكية. ووصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه “منشأ لإلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي”.
وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي ميشال فياض إلى أن إعلان ترامب تسبب في تراجع مؤشر ستوكس أوروبا ٦٠٠ بنسبة ١.٧٪، ما يعكس قلق المستثمرين من احتمالية اندلاع حرب تجارية عبر الأطلسي. ويوضح فياض أن ترامب يتهم الاتحاد الأوروبي بممارسات تجارية غير عادلة، بما في ذلك العجز التجاري الأمريكي مع الاتحاد، الذي يقدر بين ١٥٧ مليار دولار و٢٣٥.٦ مليار دولار، إلى جانب عوائق مثل ضريبة القيمة المضافة الأوروبية التي تتراوح بين ١٦٪ و٢٧٪، وارتفاع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية إلى ١٠٪ مقارنة بـ ٢.٥٪ على السيارات الأمريكية، بالإضافة إلى الدعم الذي يقدمه الاتحاد لشركة إيرباص، واللوائح الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الكبرى، والتي تشمل ضرائب وخلافها.
ويشير فياض إلى أن الصادرات الأوروبية ستتأثر بنسبة تصل إلى ٢٠٪ في سوق الولايات المتحدة، خصوصاً في قطاع السيارات الذي يواجه تهديداً بخسارة ٢٥ ألف وظيفة في المملكة المتحدة، وقطاع الأغذية الزراعية. أما في ألمانيا، فيُقدر الاقتصاديون أن الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم قد تطيل فترة الركود الاقتصادي لمدة عامين.
في المقابل، تشير مصادر مطلعة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستعد لاتخاذ تدابير مضادة تشمل فرض ضرائب على واردات بقيمة ٩٥ مليار يورو من الولايات المتحدة، تشمل قطاعات الطيران والأغذية الزراعية، مما قد يؤدي إلى اندلاع حرب تجارية شاملة بين الطرفين. وتلفت هذه المصادر إلى أن الولايات المتحدة ستكون عرضة لتأثيرات هذه الردود، خاصة في القطاعات المستهدفة مثل الصناعات الغذائية الزراعية، وعلى سبيل المثال، تكبد منتجو الويسكي الأمريكي خسائر فادحة خلال التوترات التجارية السابقة بين ٢٠١٨ و٢٠١٩ بسبب الرسوم الجمركية الأوروبية.
كما قد تحمل الشركات الأمريكية تكاليف هذه الرسوم الجمركية للمستهلكين، مما سيساهم في زيادة التضخم في الولايات المتحدة، التي تعاني أصلاً من ضغوط الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. كما قد تتضرر سلاسل التوريد في القطاعات التي تعتمد على الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي، مثل صناعة الطيران، ما يؤدي إلى تأخيرات وزيادة في التكاليف التشغيلية.
يبقى التساؤل حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ هذه العقوبات بنجاح، ومدى تأثيرها الفعلي على العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وهو أمر ستكشف عنه الأيام القادمة، وسط ترقب دولي كبير للتطورات المقبلة في هذا الملف الحساس.

