
بناءً على المعطيات التي فرضتها التحولات الجيوسياسية والأمنية في الجنوب اللبناني، وعلى ضوء تصاعد التوترات الناتجة عن العدوان الإسرائيلي الأخير، تعود إلى الواجهة قضية تمديد مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل”، والتي تحوّلت، في السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه المعركة الدبلوماسية السنوية في أروقة مجلس الأمن الدولي، وتحديدًا في أواخر شهر آب.
لطالما استغلّت الولايات المتحدة الأميركية، مدفوعة بالمصالح الإسرائيلية، هذا الموعد لإعادة طرح تعديل طبيعة عمل “اليونيفيل”، ومحاولة إفراغ مهامها من مضمونها الحقيقي، عبر الضغط لتوسيع صلاحياتها أو تغيير قواعد اشتباكها. وقد شهد العام ٢٠٢٢ أحد أبرز هذه المحاولات، عندما تم إدخال تعديل يتيح للقوات الدولية حرية الحركة من دون تنسيق مسبق مع الجيش اللبناني، وهو ما استندت إليه لاحقًا في عدد من التنقلات التي أثارت حساسيات محلية في العديد من القرى الجنوبية، لا سيّما مع تكرار الحوادث التي تطال هذه الدوريات.
هذا الواقع الميداني يعكس، بحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، نيّة واضحة من الجانب الإسرائيلي لتقويض التوازن الذي كرّسه القرار الدولي ١٧٠١، خصوصًا أن “تل أبيب” لطالما انتقدت أداء “اليونيفيل”، واعتبرته غير فاعل في الحدّ من نفوذ “حزب الله” في الجنوب، وهي تضع باستمرار نصب أعينها تعديل مهام هذه القوات، بما يحقق أهدافها العسكرية والأمنية. وتؤكد هذه المصادر أن الضغط الأميركي ـ الإسرائيلي، والذي كان يُمارس في ظروف أقل تعقيدًا، مرشحٌ للتصاعد هذا العام، في ظلّ متغيرات ما بعد “طوفان الأقصى” وتحوّل ملف سلاح “حزب الله” إلى محور النقاش الدولي والإقليمي.
من هنا، ينبثق التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية اللبنانية، التي باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإطلاق جولة مشاورات عاجلة مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخصوصًا الدول دائمة العضوية، مثل روسيا والصين، واللتين لعبتا في السنوات الماضية دورًا حاسمًا في عرقلة تمرير أي تعديلات لا يوافق عليها لبنان، مستفيدتَين من حق النقض “الفيتو”. كذلك، من المتوقع أن تواصل فرنسا دورها التقليدي في رعاية هذه المفاوضات، لا سيّما وأنها الدولة التي تتولّى عادة إعداد مسوّدة القرار المتعلق بتمديد ولاية “اليونيفيل”.
وترى المصادر أن موقف غالبية الدول المؤثرة ما يزال يتفهم خصوصية الواقع اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بكيفية مقاربة ملف “حزب الله”، بعيدًا عن المقاربة الأميركية المتشددة. كما تشير إلى أنّ أي تعديل محتمل في مهمة “اليونيفيل”، دون موافقة لبنان، سيُقابل بمعارضة شرسة، وقد يُعرّض الاستقرار الهش في الجنوب إلى مزيد من الاهتزاز، وهو ما تدركه الأطراف الدولية المعنية، وتتحسّب من تداعياته.
وتلفت المصادر إلى أن من مصلحة لبنان الاستراتيجية بقاء “اليونيفيل”، حتى وإن كانت لا تملك القدرة الكاملة على منع الاعتداءات الإسرائيلية، إلا أنها تشكل عنصرًا توازنياً ضروريًا، يحدّ من إمكانية توسع العمليات العسكرية، أو فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة. وقد برز ذلك جليًا خلال فترة العدوان، حين عمد الجيش الإسرائيلي إلى إبعاد عناصر “اليونيفيل” عن أماكن تمركزهم، بهدف تنفيذ مخططات معينة بعيدًا عن أنظار الرقابة الدولية. وتُذكّر المصادر بما أكده المتحدث الرسمي باسم هذه القوات، أندريا تيننتي، بأن مهمة “اليونيفيل” ليست تنفيذ القرار ١٧٠١، بل دعم الجيش اللبناني في تنفيذه، وهو ما تقوم به المؤسسة العسكرية اللبنانية بجهد كبير، رغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي والخروقات المتكررة التي تعرقل التطبيق الكامل للقرار.
في المحصلة، تشير المعطيات إلى أن المشهد لا يزال ضبابيًا، لكن المرجّح أن يتم التمديد لـ”اليونيفيل” وفق الصيغة المعتمدة حاليًا، نظراً إلى إدراك المجتمع الدولي لحساسية التوقيت وخطورة العبث بالمعادلة الأمنية جنوبًا. غير أن التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع أي ضغط أميركي مفاجئ، قد يسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض، استنادًا إلى نتائج المواجهات الأخيرة، وسعيًا لتكريس تفوق إسرائيلي بدعم من المنظومة الغربية.
من هنا، يُصبح على الدولة اللبنانية أن تبقى في حال استنفار دبلوماسي، وتسعى إلى تأكيد موقفها السيادي والتمسك بصيغة التوافق مع “اليونيفيل”، حفاظًا على استقرار الجنوب، وصونًا لما تبقّى من توازن في معادلة الردع مع العدو الإسرائيلي، في ظل واقع إقليمي ودولي متغيّر، يتطلب الكثير من الحذر واليقظة.

