شح المياه في لبنان أزمة متعددة الأبعاد وسوء ادارة

يعاني لبنان، البلد الذي يتميز بتنوعه الجغرافي وموارده الطبيعية، من أزمة حادة في المياه، على الرغم من وفة المياه فيه وكثرة الينابيع، حيث تشهد البلاد شحًا متزايدًا في هذا المورد الحيوي. تتنوع أسباب هذه الأزمة ما بين التغيّرات المناخية، وغياب السياسات الفعالة، والفساد المستشري في جميع الحكومات المتعاقبة وبسبب التناحر السياسي الموجود بين الافرقاء السياسيين، والذي أعاق العديد من المشاريع الحيوية مثل بناء السدود. في ظل انسداد الافق السياسي والاقتصادي، بحيث أصبح من الصعب وضع حلول جذرية لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة.

يعود جزء من أزمة المياه في لبنان إلى التغيّرات المناخية، حيث تشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتقلّب نمط الأمطار قد ساهم في تقليص مصادر المياه المتجددة. إذ تشهد بعض المناطق في لبنان انخفاضًا حادا في كميات الأمطار، مما يؤثر سلبًا على الجداول والينابيع، التي كانت تعد مصدرًا رئيسيًا للمياه، واستمرار شكاوى وزارة الطاقة من الشح من دون أن تعمد الى ايجاد الوسائل البديلة للمعالجة، وهنت يدفع المواطن اللبناني من جيبه ثمن مياه للوزارة لم تصل الى أنابيبه في المنزل، ويدفع مرّة ثانية لشراء هذه المياه الّتي تكون متوفّرة في أماكن عدّة!.

وبالإضافة إلى الأبعاد البيئية، تلعب العوامل السياسية دورًا كبيرًا في تفاقم أزمة المياه. لأن لبنان يعاني من انقسامات سياسية حادة، مما يضعف القدرة على اتخاذ قرارات جماعيّة فعّالة. فتصبح مشاريع تحويل مياه الأنهار وبناء السدود التي تتطلب تنسيقًا بين مختلف الأطراف السياسية عُرضة للتعطيل بسبب الخلافات المستشرية وسوء الادارة.

من جهة أخرى، يُعتبر الفساد المستشري في الحكومة اللبنانية عاملاً آخر يعيق تحسين البنية التحتية للمياه. لأنّ الأموال المرصودة لمشاريع المياه تُهدر أو تُستخدم في عمليات غير شفافة، مما يحرم البلاد من القدرة على تنفيذ مشاريع أساسية كالسدود أو شبكات المياه الحديثة. وكثيرًا ما يتم الحديث عن الميزانيات المخصّصة لتنمية قطاع المياه، ولكن تظهر التحقيقات الصحفية والاعلاميّة أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال لا يصل إلى أهدافها المنشودة.

الحلول
تُعتبر مشاريع السدود واحدة من الحلول التي يمكن أن تساهم في تحسين وضع المياه في لبنان، ولكنها تعاني من التلكؤ والتأخير نتيجة للانقسامات السياسية والفساد. كانت هناك خطة لإنشاء العديد من السدود في أرجاء البلاد، ولكن المشاريع لم تتحقق حتى الآن، مما أدى إلى عدم استغلال الموارد المائية المتاحة.

ويتطلب بناء السدود استثمارات ضخمة وتعاونًا بين مختلف الجهات المعنية. ومع ذلك، غابت هذه الجهود لصالح الصراعات السياسية، حيث أن تنفيذ المشاريع الكبرى يتطلب اتفاقات وتوافقات بين الأطراف المختلفة. هذا الواقع جعل لبنان ينتظر حلولاً لن ولم تأتِ طوال السنوات الماضية.

البدائل المفقودة
في ظل هذه الأوضاع، يبدو أن هناك حاجة ماسة لاستكشاف بدائل مبتكرة لمواجهة أزمة المياه. على سبيل المثال، يُعتبر تحلية مياه البحر أحد الحلول التي يمكن أن تخفّف من الشح الحاصل. حيث يمتلك البلد سواحل البحر المتوسط التي توفر إمكانية استفادة كبيرة من تقنيات التحلية. لكن، وكما هو الحال مع مشاريع السدود، فإن تنفيذ مثل هذه الحلول يستلزم استثمارات كبيرة وتخطيطًا طويل الأمد، وهو ما ليس متاحًا في ظل الأوضاع الحالية.

كما يمكن استخدام التقنيات الحديثة لتوليد المياه من الرطوبة. فتتيح جمع الرطوبة من الهواء وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب. وقد أثبتت هذه الحلول فعاليتها في العديد من الدول، ولكن لم تُعطَ الفرصة لتطبيقها في لبنان بسبب غياب الرؤية الحكومية والاستثمار في التكنولوجيا.

الهدر المائي
ونأتي الى الجزء الأكبر من مشكلة المياه الّذي ينبع من الهدر المائي. حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المياه المُعالجة تُهدر بسبب التسريبات وضعف وسوء الإدارة. بسبب البنية التحتية المتدهورة، يذهب الكثير من المياه إلى الاستخدامات غير الضرورية، مما يزيد من تفاقم المشكلة. ونعطي مثالا على ذلك، وقبل الحديث عن عن التقنين القاسي الّذي اعتمدته مؤسسة مياه جبل لبنان، والقول أن سدّ شبروح-فاريّا اصبح في أدنى مستوياته، هدرت المؤسسة المذكورة مياه السد خلال شهري تموز وآب الماضيين مياه السد على الالعاب المائية المدفوعة الثمن بسبب التنفيعات والمصالح الخاصة غير المسؤولة، في وقت حُرم الناس طيلة المدّة المذكورة من المياه في مناطق كسروان من الجرد والوسط الى الساحل ووصولا الى المتن من استعمال هذا الشريان الحيوي على الرغم من أن المؤسسة تتقاضى من المواطنين أسعارا باهظة جدًّا من المواطنيت لقاء مياه لم يتلقّوها الا بالقطّارة بسبب سوء الادراة والتوزيع.

لهذا، يُعتبر تحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير شبكات توزيع المياه الموجودَة إحدى الخطوات الأساسية لمواجهة أزمة الشح المائي. ومن الضروري أن تُنفذ سياسات تعزز من كفاءة استخدام الماء وتقلل من الفاقد، بالإضافة إلى سن قوانين تُلزم الأفراد والشركات بمعايير استخدام المياه المستدامة.

خطورة الوضع الراهن
إن استمرار الشحّ سيترتب عليه عواقب وخيمة على مختلف الأصعدة. وتزداد وتيرة التوترات الاجتماعية والاقتصادية نتيجة لتزايد الطلب على المياه وتناقص الموارد المتاحة. كما يمكن أن تؤدي الأزمة إلى نزوح جماعي للسكان من المناطق التي تعاني الى أماكن أخرى تتوفّر فيها الموارد المائية.

لذلك، لا بد من وضع رؤية استراتيجية وشاملة للتعامل مع الأزمة. ويتطلب ذلك نهجًا يتجاوز السياسات الحالية، ويركّز على التعاون بين مختلف الجهات الحكومية والدولية. ينبغي تعزيز تقنيات الإدارة المستدامة وتطوير حلول مبتكرة. فالمياه هي حقّ للجميع، وأي تأخير في تحقيق الأمن المائي سيكون عواقبه وخيمة على الأجيال القادمة.

إن لبنان بحاجة ملحّة إلى تجديد استراتيجيته في إدارة المياه، وإلى إرادة سياسية قويّة لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة، وضمان مستقبل أكثر استدامة لشعبه.

أخيرًا، لا يمكن الحديث عن أي حلول حقيقية للأزمة دون السعي للإصلاحات السياسية والإدارية.

في النهاية، تمثل المياه أساس الحياة، ويجب بالتالي أن تكون في مقدمة أولويات الحكومة والمجتمع لضمان حقّ جميع اللبنانيين في الحصول على هذه المادة الأساسية. عبر تجاوز الأزمات وإيجاد حلول مستدامة يتطلب جهدًا جماعيًا ووعياً حقيقياً بأهميّة الحفاظ على هذا المورد الثمين.

 

ج.س

زر الذهاب إلى الأعلى