
أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أرخبيل سان بيار وميكلون، تعزيز التعاون بين بلديهما في عدد من المجالات الاستراتيجية، بينها الدفاع والفضاء والطاقة والتحول الاقتصادي.
وقال كارني إن مفهوم السيادة في العصر الحالي لم يعد يقتصر على قدرة الدول على تأمين الغذاء والوقود والدفاع عن أراضيها، بل أصبح يشمل أيضاً ضمان الوصول الآمن إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية وأنظمة الدفع والتقنيات النظيفة واللقاحات والاتصالات الفضائية.
وأعلن أن وكالتي الفضاء ووزارتي الدفاع في البلدين ستعملان على تطوير بنى تحتية مشتركة، تشمل أنظمة إطلاق فضائية ومنشآت أرضية.
وفي بيان مشترك، أكد الزعيمان توسيع عمل لجنة التعاون الإقليمية المشتركة بين كندا الأطلسية وسان بيار وميكلون، مع التركيز على النمو الاقتصادي والتحول في قطاع الطاقة وتعزيز القدرة على مواجهة تداعيات تغير المناخ.
كما اتفق الجانبان على إقامة شراكة استراتيجية بين غرف التجارة الكندية والفرنسية بهدف تعزيز العلاقات بين مجتمعي الأعمال في البلدين.
وتأتي هذه الخطوات في وقت يسعى فيه كارني إلى تعزيز العلاقات الكندية مع أوروبا، بالتزامن مع تدهور العلاقات التجارية بين أوتاوا وواشنطن وتصاعد الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة.
وتُعد زيارة كارني إلى سان بيار وميكلون الأولى لرئيس وزراء كندي إلى الأراضي الفرنسية الواقعة قبالة سواحل نيوفاوندلاند، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي في منصبه إلى المنطقة منذ أكثر من عقد.
وجاءت الزيارة بعد أيام من دعوة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين كندا إلى أن تصبح أول عضو منتسب إلى الاتحاد الأوروبي. وقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتراح بأنه «مثير للسخرية»، محذراً في الوقت نفسه من أنه قد يُنظر إليه باعتباره خطوة عدائية تستدعي فرض رسوم جمركية كبيرة على أوروبا.
وكان كارني قد أوضح أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ أن كندا لا تسعى إلى تشكيل تكتل ثالث ينافس القوى الكبرى، بل إلى بناء قدر أكبر من المرونة الاقتصادية والاستراتيجية بما يمنع أي طرف من التحكم بالأسواق المفتوحة.
وخلال الزيارة، وضع كارني وماكرون أكاليل الزهور عند نصب تذكاري يخلّد ذكرى ٥٢٩ من أبناء سان بيار وميكلون الذين شاركوا في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية.
وتحمل الزيارة أيضاً بعداً تاريخياً، إذ شهد الأرخبيل في كانون الأول ١٩٤١ عملية لتحريره من حكومة فيشي الموالية لألمانيا النازية، بعدما أرسلت قوات فرنسا الحرة، بأوامر من شارل ديغول، ثلاث سفن حربية وغواصة من سانت جونز في نيوفاوندلاند.
وتكشف وثائق كندية رُفعت عنها السرية لاحقاً أن الرئيس الأميركي آنذاك فرانكلين روزفلت اعتبر السيطرة على الأرخبيل انتهاكاً لمبدأ مونرو الذي كان يهدف إلى الحد من التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي.
ورغم أن الجيش الكندي أعد خططاً للتدخل، قرر رئيس الوزراء الكندي الأسبق وليام ليون ماكنزي كينغ عدم تنفيذها، في مواجهة ضغوط أميركية للسيطرة على الجزر. وواصلت القوات الكندية بدلاً من ذلك العمل إلى جانب القوات الفرنسية الحرة لحماية قوافل الحلفاء التي كانت تعبر شمال المحيط الأطلسي.
وقال كارني، إلى جانب ماكرون، إن كندا وأوروبا ستعملان على بناء تحالف للمستقبل يعزز قدرتهما المشتركة على الصمود ويحافظ على قدرة شعوبهما على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.
ولم تستمر زيارة كارني إلى الأرخبيل أكثر من نحو أربع ساعات، قبل أن يعود إلى أوتاوا للقاء رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، ومواصلة بحث شراكات مستقبلية بين البلدين.
وتأتي التحركات الأخيرة ضمن سلسلة من الخطوات التي اتخذتها الحكومة الكندية لتعزيز علاقاتها مع أوروبا. ففي كانون الأول، أصبحت كندا الدولة غير الأوروبية الوحيدة التي حصلت على موافقة للمشاركة في برنامج «الإجراءات الأمنية لأوروبا» الخاص بالمشتريات الدفاعية.
وفي الربيع، اختيرت كندا لاستضافة المقر الجديد لبنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود، فيما تستعد المواهب الموسيقية الكندية للمشاركة للمرة الأولى في مسابقة «يوروفيجن» العام المقبل.
وتعكس هذه التطورات اتجاهاً متزايداً لدى أوتاوا نحو توسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية مع أوروبا، بالتزامن مع إعادة تقييم علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة.

