
كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نشر الولايات المتحدة أسلحة في الفضاء، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بسبب غياب أي تفاصيل رسمية حول طبيعة هذه الأسلحة أو أهداف استخدامها.
وأعلن وزير سلاح الجو الأميركي تروي مينك هذا الأسبوع أن واشنطن نشرت نوعاً من الأسلحة في الفضاء، من دون أن يوضح طبيعتها أو عددها أو ما إذا كانت قد خضعت لاختبارات فعلية.
وقال كلايتون سووب، نائب مدير مشروع الأمن الفضائي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الإعلان لم يتضمن معلومات كافية لمعرفة طبيعة الأنظمة التي تحدث عنها مينك، مرجحاً أن تكون الخطوة جزءاً من جهود واشنطن لردع روسيا والصين عن تطوير قدراتهما العسكرية في الفضاء.
وأوضح مينك أن الكشف عن تفاصيل العمليات والأنظمة المستخدمة لن يخدم أهداف الردع، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تكشف ما إذا كانت تلك الأسلحة قد اختُبرت أو كيف يمكن استخدامها.
ويأتي الإعلان في ظل توسع تركيز إدارة ترامب على المجال الفضائي. ففي ولايته الأولى، أنشأ ترامب «قوة الفضاء» كفرع مستقل للقوات المسلحة الأميركية، وهي أول إضافة من هذا النوع إلى المؤسسة العسكرية الأميركية منذ أكثر من سبعة عقود.
كما وقع الشهر الماضي أمراً تنفيذياً لإنشاء «أكاديمية الفضاء الأميركية»، وهي مؤسسة تعليمية مدنية ـ عسكرية مقترحة تهدف إلى إعداد كوادر للعمل في المجال الفضائي، على غرار أكاديميات الجيش والبحرية.
وبحسب تقرير نشرته «ميليتاري تايمز»، تخطط قوة الفضاء لإضافة نحو ١٠ آلاف عنصر جديد إلى صفوفها خلال السنوات الخمس المقبلة. وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، إن القوات المسلحة، بما فيها قوة الفضاء، يجب أن تكون مستعدة للقتال والاستمرار وتحقيق الانتصار «من قاع البحر إلى الفضاء القمري».
ويرى سووب أن إدارة ترامب تعمل على تقليص الحدود التقليدية بين النشاط الفضائي المدني والعسكري، في وقت كانت فيه وكالة «ناسا» تركز تاريخياً على الاستكشاف والعلوم، بينما يتولى البنتاغون المهام العسكرية.
وتشمل الخطط الأميركية أيضاً توسيع عمليات إطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية، بعدما منحت إدارة ترامب وزير الدفاع بيت هيغسيث صلاحيات إضافية في هذا المجال بالتنسيق مع مدير «ناسا» جاريد آيزكمان، مع تحديد هدف يتجاوز ألف عملية إطلاق وإعادة دخول إلى الغلاف الجوي بحلول عام ٢٠٣٠.
وفي الوقت نفسه، يضغط ترامب لتحقيق سبق أميركي في العودة إلى القمر قبل انتهاء ولايته في كانون الثاني ٢٠٢٩، كما طرحت الإدارة خططاً لاستثمار نحو ٢٠ مليار دولار في إنشاء قاعدة قمرية أميركية دائمة.
ويؤيد آيزكمان، الذي عينه ترامب لقيادة «ناسا»، إنشاء أكاديمية فضاء ذات طابع عسكري، معتبراً أن تصاعد التنافس في الفضاء يجعل إعداد جيل جديد للتعامل مع هذا المجال أمراً ضرورياً. وقال إن الأنشطة المدنية والعسكرية الأميركية في الفضاء يمكن أن تكون متكاملة، وإن استكشاف الفضاء لا يمكن فصله بالكامل عن القدرات التي توفرها قوة الفضاء.
لكن لوري غارفر، نائبة مدير «ناسا» السابقة، حذرت من أن إنشاء مؤسسة تعليمية بطابع عسكري قد يؤدي إلى الخلط بين مهمة الوكالة المدنية في استكشاف الفضاء والأهداف العسكرية لقوة الفضاء، مشيرة إلى أن الأساس القانوني لـ«ناسا» يقوم على كونها وكالة مدنية مستقلة عن المؤسسة العسكرية.
ويأتي هذا التوسع في وقت تراقب فيه واشنطن تنامي القدرات الفضائية العسكرية لروسيا والصين. وكانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد أعلنت عام ٢٠٢٤ أنها تتابع تطوير روسيا سلاحاً فضائياً قادراً على استهداف الأقمار الاصطناعية في مدار الأرض.
كما تتهم قوة الفضاء الأميركية الصين وروسيا بتطوير واختبار قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية تهدف إلى تعطيل الأنظمة الفضائية الأميركية أو إضعاف فعاليتها، فيما تنفي بكين بعض الاتهامات الأميركية المتعلقة بأنشطتها الفضائية.
ويرى سووب أن إعلان واشنطن امتلاكها أسلحة في الفضاء قد يكون بحد ذاته أكثر أهمية من التفاصيل التي لم تُكشف، باعتباره مؤشراً إلى تركيز الولايات المتحدة على تحقيق ما تسميه «التفوق الفضائي»، أي ضمان قدرتها على استخدام الفضاء ومنع خصومها من تحقيق الغرض نفسه.
ولا تزال طبيعة الأسلحة الأميركية غير واضحة. ومن بين القدرات المعروفة علناً في مجال مكافحة الأنظمة الفضائية، أنظمة تعمل ضمن الطيف الكهرومغناطيسي ويمكن استخدامها للتشويش أو تعطيل الاتصالات والإشارات اللاسلكية.
وفي ظل استمرار التنافس بين القوى الكبرى، يبرز أيضاً الجدل حول مستقبل معاهدة الفضاء الخارجي لعام ١٩٦٧، التي أرست مبادئ لاستخدام الفضاء للأغراض السلمية وحظرت وضع أسلحة الدمار الشامل في المدار.
ويحذر خبراء من أن تصاعد القدرات العسكرية في الفضاء قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، خصوصاً مع الاعتماد المتزايد على الأقمار الاصطناعية في الاتصالات والملاحة والاستخبارات والعمليات العسكرية.
وقال سووب إن أي مواجهة عسكرية في الفضاء ستكون ذات تداعيات خطيرة، محذراً من أن الدخول في «حرب فضائية» لن يكون أمراً يمكن السيطرة على عواقبه بسهولة.

