تحالف السعودية يضع باكستان أمام مأزق عسكري

يواجه قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، ضغوطاً متزايدة على خلفية اتفاق الدفاع مع السعودية، بعدما أدى التصعيد الإقليمي إلى وضع إسلام آباد أمام احتمال الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحوثيين في اليمن.

وكان منير قد لعب دوراً أساسياً في ترتيب اتفاق دفاع تاريخي مع السعودية، جرى توقيعه في الرياض في أيلول الماضي، ونص على تعاون عسكري واسع، مقابل تقديم الرياض مليارات الدولارات من الاستثمارات والقروض لباكستان التي تعاني أزمة اقتصادية حادة.

وفي آب، توسع الاتفاق ليشمل تركيا، وأُعيدت تسميته «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، مع اتفاق الدول الثلاث على اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوماً على الجميع.

لكن التطورات الإقليمية سارت في اتجاه مختلف عن التوقعات التي رافقت إبرام الاتفاق. فبعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ردت طهران باستهداف دول خليجية بينها السعودية، فيما عادت المواجهات بين الرياض والحوثيين، المدعومين من إيران، إلى التصعيد بعد انهيار الهدنة الهشة بين الطرفين.

وخلال الأسابيع الأخيرة، حقق الحوثيون مكاسب ميدانية في اليمن ونفذوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الأراضي السعودية، فيما ردت الرياض بغارات جوية على مواقع الجماعة، وسط مخاوف من عودة الحرب إلى نطاق أوسع.

وترى محللة الدفاع في كلية كينغز كوليدج لندن، عائشة صديقة، أن منير ربما لم يقدّر بصورة كافية حجم المخاطر الإقليمية، ولا احتمال أن تجد باكستان نفسها مطالبة بإرسال قواتها إلى ساحة قتال في وقت قريب.

وتملك السعودية ترسانة ضخمة من الطائرات المقاتلة والمعدات العسكرية، لكنها تفتقر إلى الخبرة القتالية المباشرة في مواجهة الحوثيين، الذين أظهروا قدرة على خوض حرب طويلة وغير تقليدية. وفي المقابل، تتمتع القوات الباكستانية بخبرة واسعة في التعامل مع العمليات العسكرية، خصوصاً في ظل المواجهات المستمرة مع الهند والتهديدات الأمنية على حدود البلاد.

ويقول محللون إنه في حال قررت السعودية تفعيل اتفاق مكة لمواجهة الحوثيين، فقد تجد باكستان نفسها أمام التزام بإرسال قوات، بما فيها آلاف العسكريين الموجودين أصلاً في المملكة لأغراض التدريب.

ويزيد الوضع الاقتصادي من صعوبة موقف إسلام آباد، إذ تعتمد باكستان بدرجة كبيرة على الدعم السعودي، وقد حصلت مؤخراً على نحو ٨ مليارات دولار من التمويل والاستثمارات السعودية، في وقت تعاني فيه البلاد أزمة اقتصادية حادة.

وأعلن مسؤولون حكوميون وعسكريون باكستانيون خلال الأسبوع الماضي التزامهم «غير المشروط» باتفاق الدفاع، مؤكدين أن إسلام آباد مستعدة للذهاب «إلى أي مدى» للدفاع عن السعودية. لكن مسؤولين، وفق التقرير، يبدون في أحاديث خاصة مخاوف عميقة من انجرار البلاد إلى صراع إقليمي طويل.

وتواجه باكستان في الوقت نفسه تحديات أمنية داخلية متزايدة، بينها صراع مسلح مع حركة طالبان الباكستانية، وتنامي أعمال العنف في المناطق الحدودية، إضافة إلى التمرد المستمر في إقليم بلوشستان.

كما أن أي مشاركة عسكرية باكستانية ضد الحوثيين قد تُفسَّر باعتبارها اصطفافاً مباشراً إلى جانب السعودية في مواجهة إيران. وكانت إسلام آباد تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران قبل اندلاع الحرب، بل لعب منير دوراً في محاولة دفع إيران نحو المفاوضات والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.

وتحذر صديقة من أن دخول باكستان الحرب ضد الحوثيين ستكون له «تداعيات كبيرة»، ولا سيما أن البلاد تضم ثاني أكبر عدد من السكان المسلمين الشيعة بعد إيران، ما قد يثير احتجاجات وانقسامات طائفية في حال شاركت القوات الباكستانية في عمليات ضد جماعة مدعومة من طهران.

كذلك، تحتفظ إيران بعلاقات مع حركة طالبان في أفغانستان، ما قد يؤدي إلى زيادة التوتر على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، في وقت تواجه فيه إسلام آباد أصلاً تحديات أمنية متصاعدة هناك. كما قد يؤدي أي تصعيد إضافي إلى تفاقم الوضع في بلوشستان، المنطقة الحدودية المضطربة مع إيران.

وقال زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ الباكستاني، رجا ناصر عباس، إن تفاصيل اتفاق مكة لم تُعرض بصورة كافية على المؤسسات السياسية، محذراً من أن دخول الحرب سيكون «كارثة» على البلاد، التي تواجه بالفعل أزمات اقتصادية وأمنية وارتفاعاً في معدلات التضخم.

وفي المقابل، لا تزال طبيعة «الخط الأحمر» الذي قد يؤدي إلى تفعيل الاتفاق غير واضحة. ويرى محللون أن باكستان تراهن على عدم رغبة السعودية في الدخول في حرب مفتوحة مع إيران عبر تصعيد مواجهتها مع الحوثيين.

كما أوضحت تركيا أنها لا تريد الانخراط في القتال، فيما قال محمد أمير رانا، مدير معهد باكستان لدراسات السلام في إسلام آباد، إن بلاده ستبذل ما بوسعها لتجنب المشاركة في أي عملية برية داخل اليمن.

وبحسب مسؤول باكستاني كبير، فإن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لا يبدو راغباً حالياً في تفعيل الاتفاق، مشيراً إلى أن الرياض قد تحتاج إلى دعم أميركي قبل خوض حرب شاملة ضد الحوثيين، في وقت لا تبدو فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب راغبة في فتح جبهة جديدة، وتفضّل التفاوض مع الجماعة.

مع ذلك، يبقى احتمال تغير الموقف قائماً في ظل استمرار التصعيد الإقليمي، ما يضع باكستان أمام معادلة شديدة الحساسية بين التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية، وعلاقاتها مع إيران، وأمنها الداخلي، وأزمتها الاقتصادية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live