جبل النار والسياسة: الشيفرة السريّة لمعركة “علي الطاهر”

إذا كنا على اقتناع أن استماتة إسرائيل للسيطرة على تلة “علي الطاهر” في الجنوب اللبناني-النبطية هي مجرد خطوة عسكريّة لصد هجمات المقاومة، فاسمحوا لي أن نتحدى هذا الافتراض. فكخبير عسكري استشارته “كليك أف أم”أشار الى أنّه يقرأ الميدان بوصفه امتدادًا للسياسة، وما يجري على هذه التلة المشرفة على النبطية يتجاوز مجرد تبادل لإطلاق النار؛ إنّه محاولة من تل أبيب لفرض هيمنة استراتيجيّة تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2000، وتُجهز مسرحًا سياسيًّا وعسكريًّا لفرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان.

لذلك فإنّ الافتراض السائد هو أن التلة المذكورة هي مجرد بقعة جغرافية مرتفعة تفيد في توجيه المدفعية. وهذا هو وهم التكتيك العسكري، لأنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فإسرائيل لا تنزف جنودها من أجل بضعة أمتار صخرية. تلة علي الطاهر، المشرفة على كفرتبنيت ومدينة النبطية، تشكل مع قلعة الشقيف “كمّاشة جغرافيّة” ومسارًا لتدفق الهواء البارد نحو الساحل. أمنيًّا، من يسيطر عليها يمتلك مرصدًا استخباراتيًّا يكشف ظهر النبطية وقرى القضاء بالكامل. واستماتة حكومة بنيامين نتنياهو لإعلان السيطرة عليها، وتأكيده شخصيًّا أنها “لم تعد تشكل تهديدًا”، هي خطوة انتخابيّة بامتياز؛ فتل أبيب تبحث عن نصر رمزي كبير تقدمه للناخب الإسرائيلي الغاضب، لتغطية الفشل الاستخباراتي والنزيف المستمر.

وهنا لا تبحث إسرائيل عن احتلال موقت، حسب الخبير العسكري بل تسعى لتثبيت “رادار هيمنة” دائم يكونكمرصد التحكم الشامل. محاولة السيطرة على التلة المشرفة التي تبعد 15 كيلومترًا عن الحدود، تهدف إلى إنشاء قاعدة مراقبة إلكترونية وبصرية ترصد أي تحرك في العمق اللبناني. إسرائيل تفترض أن سلب المقاومة هذا المرتفع الاستراتيجي سيحرمها من القدرة على إدارة المعارك الميدانية، ويجعل من تحركات المقاتلين مكشوفة تمامًا. إنها عملية هندسة مسرح عمليات جديد، وليس مجرد احتلال تل.

ما يحصل هل يضع “اتفاق الإطار” في حالة احتضار؟سؤال مشروع لا سيّما أن الاسرائيلي لم يلتزم يومًا بأي اتفاق لوقف النار، والاتّفاق المُوقع في حزيران 2026 في واشنطن، قد يُقال عنه أنّه وُلد ميتًا بسبب الخروقات الإسرائيليّة. ولكن هنا علينا تصحيح هذا الافتراض، لأنّ الاتفاق لم يمت في العقل الإسرائيلي، بل يتم “تطويعه” بالنار. الجيش الاسرائيلييستخدم التدمير الممنهج، وقتل البشر وتهجيرهم، كأداة لتفريغ ما أسماه الاتفاق بـ”المناطق التجريبية”(Pilot Zones).من خلال تدمير الحجر وتحويل القرى إلى رماد، تفرض تل أبيب شروط نزع السلاح بالقوّة الغاشمة، محوّلة نصوص الاتفاق الدبلوماسية إلى أمر واقع ميداني خالٍ من السكان. إنّها رسالة دمويّة للمفاوضين: الجغرافيا التي لا يتم نزع سلاحها بالسياسة، سيتم مسحها بالطيران.

بهذا المعنى، إسرائيل لا تخرق الاتفاق عبثًا، بل تعيد صياغته لتفرض “منطقة عازلة” غير معلنة، ضاربة عرض الحائط بأيّ سيادة لبنانية، ومستغلة التواطؤ أو العجز الدولي في لجم آلتها العسكريّة. محادثات الفريقين اللبناني والإسرائيلي بوساطة واشنطن تقف اليوم أمام امتحان جغرافي قاسٍ؛ فإما أن يُنفّذ الاتفاق بوقف التدمير الممنهج، أو يتحوّل إلى حبر على ورق يغطّي أبشع جرائم التطهير الجغرافي.

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live