الإعلاميون في لبنان: قوة مشتتة أم نقابة موحّدة؟ (4)

قد يبدو تنظيم الإعلاميين نقابيًا مسألة مهنية منفصلة عن النقاش حول قانون الإعلام، إلا أن واقع المهنة يكشف ارتباطًا وثيقًا بين حرية الصحافي وقوة الجهة التي تمثله. فالنصوص التي تكفل حرية التعبير والاستقلال التحريري تفقد جزءًا كبيرًا من فاعليتها إذا بقي الصحافي فردًا معزولًا، عاجزًا عن مواجهة الضغوط المهنية والاقتصادية والمؤسسية.

ومن هنا يبرز سؤال أساسي في لبنان: هل يستمر العاملون في القطاع الإعلامي موزعين بين نقابات متعددة وفق الوسيلة أو الاختصاص، أم يصبح من الأفضل إنشاء نقابة مهنية موحّدة تجمع الإعلاميين تحت سقف واحد، مع الحفاظ على خصوصية كل قطاع داخلها؟

الدعوة إلى نقابة موحّدة لا تعني إلغاء التخصصات. فالإعلام الحديث بات أكثر تنوعًا وتشعبًا؛ إذ تختلف طبيعة عمل الصحافي المكتوب عن الصحافي التلفزيوني، كما تختلف مهارات المصور وصحافي البيانات والعامل في المنصات الرقمية. لكن اختلاف الاختصاص لا يفرض بالضرورة إنشاء كيان نقابي مستقل لكل مهنة أو وسيلة.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى تفتيت كامل للقوة المهنية. فحين يتحدث كيان باسم صحافيي التلفزيون، وآخر باسم الصحافة المكتوبة، وثالث باسم المصورين، ورابع باسم الإعلام الإلكتروني، تصبح المؤسسات الإعلامية قادرة على التعامل مع كل فئة منفصلة. وفي سوق إعلامية محدودة الحجم مثل لبنان، قد يؤدي هذا التوزع إلى إضعاف القدرة على الدفاع عن الحقوق والتفاوض الجماعي.

لا يعني ذلك أن تعدد النقابات يتعارض بحد ذاته مع الحرية النقابية. فحرية التنظيم تتيح للعاملين اختيار الأطر التي يرونها مناسبة. لكن السؤال الأهم ليس عدد النقابات، بل النموذج القادر على تأمين تمثيل أقوى وحماية أكثر فاعلية للعاملين في المهنة.

ومن هنا تبرز صيغة نقابة مهنية موحّدة تضم في داخلها قطاعات متخصصة، تشمل الصحافة المكتوبة ووكالات الأنباء، والتلفزيون والإذاعة، والإعلام الرقمي والمنصات، والتصوير والإنتاج السمعي البصري، إضافة إلى العاملين المستقلين. وبهذه الصيغة يحتفظ كل قطاع بخصوصيته، فيما يتمتع الجميع بقوة تمثيلية مشتركة.

وتقدم التجربة البريطانية نموذجًا يستحق التأمل، إذ يضم الاتحاد الوطني للصحفيين العاملين في الصحف ووكالات الأنباء والبث والإعلام الرقمي والتصوير، إلى جانب تنظيمات ولجان في أماكن العمل تهتم بقضايا الأجور وشروط العمل. ويؤكد هذا النموذج أن الوحدة النقابية لا تعني ذوبان الاختصاصات، بل الجمع بين التخصص وقوة التمثيل الجماعي.

وقد تكون هذه الصيغة أكثر ملاءمة للبنان في ظل التحولات التي شهدتها المهنة. فالصحافي لم يعد مرتبطًا بوسيلة واحدة؛ إذ قد ينتقل بين الصحيفة والموقع الإلكتروني والتلفزيون والبودكاست والمنصات الرقمية. وإذا كان كل انتقال مهني يفرض عليه الانتقال بين أطر نقابية مختلفة، تصبح البنية التنظيمية متأخرة عن واقع الإعلام نفسه.

فغرفة الأخبار الحديثة تجمع محررًا ومصورًا ومنتجًا ومقدم محتوى رقميًا وصحافيًا يعمل على وسائل التواصل، وجميعهم يساهمون في إنتاج القصة ذاتها بوسائط مختلفة. لذلك، ينبغي أن يكون أساس الانتماء النقابي هو ممارسة المهنة الإعلامية، لا الوسيلة التي يصل عبرها المحتوى إلى الجمهور.

لكن وحدة التمثيل لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار مفروض بقوة القانون. فالنقابة الفاعلة يجب أن تكون مستقلة عن السلطة السياسية وأصحاب المؤسسات، وأن تقوم على انتخابات ديمقراطية وشفافية مالية وإدارية، مع ضمان تمثيل القطاعات المختلفة داخلها. ولذلك قد يكون مفهوم «وحدة التمثيل المهني مع التعدد القطاعي الداخلي» أكثر دقة من مجرد الدعوة إلى «نقابة واحدة».

وتبرز أهمية هذا النموذج خصوصًا في مجال التفاوض الجماعي. فوجود جسم مهني قوي يمنح الإعلاميين قدرة أكبر على التفاوض بشأن الأجور والعقود والسلامة المهنية وحقوق المراسلين والمصورين والتدريب المستمر والملكية الفكرية وتسوية النزاعات. كما أن إنشاء لجان نقابية منتخبة داخل المؤسسات الإعلامية يسمح بمعالجة المشكلات اليومية، فيما توفر النقابة المركزية الدعم القانوني والتفاوض على المستوى العام.

ويتطلب أي تنظيم حديث أيضًا شمول العاملين المستقلين وأصحاب العقود القصيرة، بعدما أصبحت هذه الفئات جزءًا متزايدًا من سوق الإعلام. فلا يمكن حصر الحماية بالصحافي التقليدي الذي يعمل بعقد دائم، فيما يبقى صحافي المنصة الرقمية والمصور المستقل ومنتج البودكاست خارج الإطار المهني.

وفي المقابل، تبقى الحاجة قائمة إلى تعريف واضح لمن هو الصحافي أو العامل الإعلامي المهني، لمنع الخلط بين العمل الصحافي والنشر الشخصي. فليس كل من ينشر محتوى على الإنترنت صحافيًا بالمعنى المهني والقانوني.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم نقابة يحتاج لبنان؟ بل كم قوة يحتاج الصحافي ليتمكن من العمل بحرية والدفاع عن حقوقه؟

فالتنوع يمكن حمايته داخل نقابة موحّدة عبر قطاعات مستقلة وتمثيل ديمقراطي، من دون تفتيت القوة الجماعية. وبين نقابات متفرقة بحسب الوسيلة، وجسم مهني واحد قادر على التفاوض والدفاع عن العاملين ومواكبة تحولات الإعلام، تبدو الحاجة اللبنانية أقرب إلى إعادة التفكير في مفهوم التنظيم النقابي نفسه.

فالوحدة ليست هدفًا بذاتها، بل وسيلة لضمان ألّا يجد الصحافي نفسه وحيدًا عندما تبدأ المواجهة.

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live