حرية الصحافة تبدأ حيث ينتهي الراتب (3)

ثمة وجه من وجوه حرية الصحافة نادرًا ما يحتل الصدارة في النقاشات العامة، مع أنه الأكثر تأثيرًا في الحياة اليومية للصحافي: سلطة المؤسسة التي يعمل فيها. فحين تُطرح قضية حرية الإعلام، ينصبّ الاهتمام عادةً على الدولة وأجهزتها، على التوقيف والملاحقة والرقابة المفروضة من الخارج. لكن الصحافي يعيش أيضًا تحت سلطة داخلية أشد التصاقًا بحياته المهنية: رب العمل الذي يمسك براتبه وعقده ومستقبله.

هذه الثغرة هي ما يكشفه بجلاء اقتراح قانون الإعلام اللبناني الجديد حين يُقرأ بعيون نقدية. فالاقتراح يتضمن ضمانات مهنية حقيقية: حق الصحافي في رفض توقيع مادة عُدّل مضمونها من دون علمه، وحقه في الامتناع عن عمل يتعارض مع ضميره، وحظر الضغط أو التهديد للتأثير في عمله، وضمان حق التنظيم النقابي. لكن هذه النصوص، على أهميتها، تتجاهل سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث حين تكون المشكلة في عقد العمل أو الراتب أو الخشية من الفصل؟

الصحافي الذي يتلقى راتبه متأخرًا لأشهر، أو يعمل من دون عقد واضح، أو يخشى الصرف إذا رفض تعليمات تتعارض مع معاييره المهنية، قد يمتلك نظريًا حق الاستقلال التحريري، لكنه لا يملك القدرة العملية على ممارسته. وهنا يصبح الاستقلال التحريري رهينة الأمان الاقتصادي، لا مجرد نص في قانون. هذا ما خلص إليه تقرير منظمة العمل الدولية الصادر عام 2026 حول العمل اللائق وسلامة الصحافيين، إذ أكد أن حماية الصحافي لا ترتبط بحرية التعبير وحدها، بل بالحقوق الأساسية في العمل وشروطه وآليات التفاوض الجماعي.

ومن هذه الزاوية يكتسب موقف نقابة محرري الصحافة اللبنانية أهمية خاصة. فالنقابة أعلنت في 27 تموز 2026 رفضها للاقتراح بصيغته الحالية، معتبرةً أنه «لا يحمي العاملين في المهنة» ولا يجعل الإعلام قطاعًا مرتبطًا بالدورة الاقتصادية الوطنية، وطالبت بسحبه وإعادة درسه. وهذا الاعتراض يطرح في جوهره سؤالًا يتجاوز أي مادة بعينها: هل رأى المشرّع الصحافيَّ عاملًا له حقوق اقتصادية واجتماعية، أم أنه رآه فقط صاحب وظيفة تحريرية؟

رب العمل لا يحتاج إلى تهديد الصحافي بصورة مباشرة كي يُسكته. يكفي أحيانًا لمحة عابرة بالنقل، أو خفض في الراتب، أو إنهاء العقد، أو حرمانه من فرص التغطية، حتى يصبح الضغط المهني واقعًا فعليًا. وتزداد المسألة حساسيةً في المؤسسات التي تتداخل فيها الملكية مع السياسة أو التجارة. فالصحافي الذي يُطلب منه تعديل خبر يطاول مصالح المالك، أو حذف تحقيق يرتبط بإعلان مهم، لا يواجه سؤالًا أخلاقيًا فحسب، بل يواجه سؤالًا يتعلق براتبه ومستقبله. وفي بيئة اقتصادية هشّة كالبيئة اللبنانية، قد يكون ثمن الرفض مرتفعًا جدًا.

ما الذي يحتاجه القانون إذن؟ ثمة مسائل عملية ينبغي أن يعالجها بصراحة. أولها إلزام المؤسسات بعقود عمل مكتوبة وواضحة تحدد الوظيفة والأجر والحقوق وشروط إنهاء العلاقة، مع منع العقود الهشة التي تُبقي الصحافي دائمًا تحت رحمة المؤسسة. وثانيها أن يكون رفض الصحافي تنفيذ عمل مخالف للمعايير المهنية سببًا للحماية القانونية الفعلية لا للعقوبة، وهذا يستلزم آلية عملية تحول دون الانتقام غير المباشر. وثالثها تنظيم مسألة الأجور وانتظام دفعها، إذ إن الصحافي الذي يعيش تحت ضغط مالي دائم يصبح أكثر عرضةً للابتزاز والإغراء، ومحاربة الفساد في الإعلام تبدأ ببناء بيئة مهنية لا تدفع إلى الهشاشة. ورابعها حماية من يُبلّغون داخل مؤسساتهم عن تلاعب أو تضليل أو خرق للمعايير، فمن دون هذه الحماية تتحول الأنظمة الداخلية إلى جدار يمنع كشف المخالفات.

ولا تكتمل الصورة من دون الإشارة إلى مسألة العمل في ظروف الخطر. فالمراسلون والمصورون والعاملون في الميدان يحتاجون إلى تأمين وتدريب وإجراءات سلامة واضحة، لا إلى اتكاء على التقدير الفردي لكل مؤسسة. كما ينبغي إيجاد مسار قضائي متخصص وسريع للنزاعات المهنية الإعلامية؛ إذ لا قيمة لحماية قانونية تستغرق سنوات أمام المحاكم، بينما تكون الغرامة أو الفصل قد حققا هدفهما من يوم صدور القرار.

خلاصة القول إن حرية الصحافة لا تتحقق فقط بإبعاد الدولة عن غرفة الأخبار. تتحقق أيضًا حين لا يتحول الراتب والعقد والوظيفة إلى وسيلة للسيطرة على القرار التحريري. القانون الجيد هو الذي يحمي الصحافي حين يقول «لا» للسلطة السياسية، ويحميه أيضًا حين يقول «لا» لمالك المؤسسة أو رئيس التحرير أو أي جهة تحاول شراء موقفه. فمن دون هذه الحلقة المفقودة، تبقى حرية الإعلام كاملة على الورق وناقصة في الحياة اليومية. والتحدي الحقيقي أمام المشرّع اللبناني ليس أن يضيف مزيدًا من العبارات عن الحرية، بل أن يجعل الصحافي حرًا وقادرًا على ممارسة حريته في آن واحد.

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live