قانون الإعلام اللبناني بين نص التحرير وأسئلة التنظيم (2)

لا يكفي أن يُصاغ قانون الإعلام بلغة حديثة كي يكون حديثًا في جوهره. هذه الحقيقة هي مدخل أي قراءة نقدية لاقتراح قانون الإعلام اللبناني الذي أقرّه مجلس النواب، والذي يطرح في جزئه الثاني أسئلة جوهرية تتجاوز صياغة المواد إلى فلسفة التنظيم برمتها.

السؤال المحوري الذي يطرحه الاقتراح هو: من يراقب الإعلام حين تصبح الجهة المنظِّمة نفسها صاحبة سلطة على الترخيص، والتصنيف، ووضع المعايير، وإصدار مدونات السلوك، وفرض العقوبات؟ فالاقتراح يُنشئ «هيئة وطنية للإعلام» تتمتع باختصاصات واسعة تشمل كل هذه الوظائف مجتمعة. ومن حيث المبدأ، تبقى الهيئة المستقلة أفضل من ترك القطاع في يد السلطة السياسية المباشرة. غير أن كلمة «مستقلة» لا تصبح ضمانة بمجرد ورودها في النص؛ الاستقلال يحتاج إلى طريقة تعيين واضحة، وضمانات مالية، وتوازن في التمثيل، وقواعد تمنع تضارب المصالح، وآليات تحول دون تركيز السلطات في يد جهة واحدة.

وهنا تُقدّم التجارب المقارنة درسًا واضحًا: في تونس أُنشئت آليات مستقلة تضم القضاء وممثلي الصحافيين، وفي الاتحاد الأوروبي يقوم النموذج الحديث على فصل نسبي بين وظيفة التنظيم ومصالح الحكومة أو المالك، مع تعزيز الشفافية والمساءلة. أما حين تجمع الجهة التنظيمية في يدها منح الترخيص وفرض شروطه وتفسير قواعد الممارسة واتخاذ الإجراءات العقابية، فالأجدى أن تكون حدود هذه السلطات مرسومة بدقة وأن يكون الطعن القضائي سريعًا وفعالًا. والاقتراح يفتح باب المراجعة القضائية، لكن فعالية هذه الضمانة مرهونة بسرعة القضاء؛ فالتأخير في البيئة الإعلامية قد يتحول بحد ذاته إلى عقوبة.

وتبرز إشكالية مماثلة في مسألة العقوبات المالية. ربط الغرامات بمضاعفات الحد الأدنى للأجور قد يبدو وسيلة لضمان فاعلية الجزاء، لكنه يثير سؤال التناسب، لا سيما بالنسبة إلى وسائل إعلام صغيرة أو منصات ناشئة. والعقوبة المالية التي تهدد بقاء مؤسسة إعلامية قد تكون في بعض الظروف أشد تأثيرًا على حرية التعبير من الحبس نفسه. لذلك ينبغي أن تُبنى الغرامات على معيار الضرر وطبيعة المخالفة وحجم المؤسسة ودرجة التكرار والقصد، لا على معادلة حسابية ثابتة.

أما في مسألة الخصوصية، فالاقتراح حاول رسم خط بين الحياة الخاصة والمصلحة العامة، وهو أمر ضروري، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدقة. فالصياغة الواسعة قد تُغري المتضرر بتحويل أي تحقيق صحافي إلى نزاع حول الخصوصية. والمعيار المطلوب ليس شعارًا عامًا، بل أربعة أسئلة محددة: هل المعلومة تتصل بمصلحة عامة حقيقية؟ وهل نشرها يخدم هذه المصلحة؟ وهل الضرر المتوقع أكبر بوضوح من المنفعة العامة؟ وهل اتّبعت الوسيلة المهنية المعقولة للتحقق؟ الأمر ذاته ينطبق على منع النشر أثناء التحقيقات؛ فالحظر الشامل على تناول قضية «قيد التحقيق» قد يعطّل الصحافة الاستقصائية في أكثر الملفات حساسية.

ومن النقاط التي تستحق المراجعة حق الصحافيين في العمل النقابي. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان لاحظت أن الاقتراح يحتاج إلى ضمان صريح لهذا الحق، بما ينسجم مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومبادئ منظمة العمل الدولية. فالصحافي الذي يخشى فقدان عمله بسبب انتسابه النقابي ليس صحافيًا حرًا تمامًا، حتى لو نصّ القانون على حرية التعبير مئات المرات.

أما الفجوة الأوضح فتتمثل في غياب الحياد التكنولوجي الحقيقي. فالقاعدة القانونية يجب أن تنطبق على الفعل بحسب طبيعته وآثاره، لا بحسب الأداة المستخدمة لنشره. وهذا ما انتقدته الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان حين أشارت إلى ازدواجية المعالجة بين الإعلام التقليدي والمحتوى الرقمي. وتزداد هذه المسألة إلحاحًا في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث لا يمكن أن تحكم التشريعاتُ التقليدية خبرًا أُنتج مهنيًا ثم أُعيد توليده بواسطة نظام ذكاء اصطناعي ووُزّع عبر منصة رقمية. كذلك يغيب عن التصور اللبناني ما يعالجه الاتحاد الأوروبي في قانون حرية الإعلام من مخاطر تركز الملكية وشفافية التمويل وحماية الاستقلال التحريري في مواجهة المنصات الكبرى.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في لبنان حيث تتداخل ملكية وسائل الإعلام مع المصالح التجارية والسياسية. فإذا لم يعالج القانون تركّز الملكية الفعلي، فقد ينجح في تنظيم الترخيص ويفشل في حماية التعددية. والتعددية لا تعني وجود عشرات المواقع، بل وجود مؤسسات قادرة على الاستمرار والاستقلال واتخاذ قرارها التحريري بعيدًا عن هيمنة مالك واحد أو ممول واحد.

لذلك تبدو المراجعة المطلوبة أعمق من تعديل مادة أو استبدال عبارة. إنها إعادة ضبط للتوازن بين الحرية والمسؤولية على ثلاثة مستويات: تضييق التجريم الجزائي وإلغاء «الأخبار الكاذبة» بوصفها جريمة عامة مستقلة؛ وتحويل التضليل إلى قضية مهنية ومدنية عبر التصحيح والشفافية والتثقيف؛ وتحديث القانون رقميًا بحيث يحمي الصحافة والمؤسسات على أساس حياد الوسيلة ويضع إطارًا للاستقلال التحريري وشفافية الملكية والمنصات.

والاستنتاج الأهم أن قانون الإعلام لا يُقاس بعدد موادّه ولا بحداثة لغته، بل بما يحدث حين يختلف الصحافي مع سلطة سياسية، أو يكشف فسادًا، أو يحمي مصدرًا يطلب منه القضاء كشفه. في هذه اللحظات تحديدًا تظهر قيمة القانون. فالإعلام الحر لا يعني إعلامًا بلا مسؤولية، كما أن الإعلام المسؤول لا يعني إعلامًا خائفًا. والمسافة بين الاثنين هي بالضبط المساحة التي يفترض أن يملأها القانون.

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live