قانون الإعلام اللبناني بين طموح التحديث وفخاخ “الجزاء”… (1)

يخوض لبنان اليوم نقاشاً مفصلياً حول اقتراح قانون الإعلام الجديد، الذي يأتي بعد أكثر من عقد ونصف من المداولات. يطرح هذا المشروع تساؤلاً جوهرياً يتجاوز مجرد تحديث المصطلحات: هل يسعى لبنان لتقنين إعلام تقليدي ولى عهده، أم لاستشراف مستقبل إعلامي باتت فيه الحدود بين الصحفي والجمهور تلاشت بفعل المنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟

لا يمكن إنكار أن الاقتراح يتضمن عناصر إصلاحية واعدة تهدف إلى توسيع مفهوم الإعلام ليشمل الفضاء الرقمي، مع تكريس مبادئ حرية التعبير والتعددية ومنع الاحتكار. ومن أبرز نقاط القوة في النص:

  • حماية سرية المصادر: يضع القانون قيوداً قضائية صارمة على كشف المصادر، وهو معيار دولي حيوي لاستدامة الصحافة الاستقصائية.
  • تنظيم حق الرد والتصحيح: يبتعد القانون عن “عقوبة السجن” كحل أوحد للخطأ الإعلامي، مفضلاً آليات مدنية فعالة تتيح تصحيح الضرر، وهو توجه حقوقي يضع المسؤولية المدنية كبديل أكثر تناسباً مع النزاعات الإعلامية.
  • استقلالية العمل: يتضمن الاقتراح بنوداً تحمي الاستقلال التحريري وتمنح الصحفي الحق في رفض المشاركة في أعمال تتعارض مع ضميره المهني.

رغم التوجه الإصلاحي، تبرز المادة 104 كموضع اختبار حقيقي لاتّساق القانون. فبينما تحاول الفقرة الأولى وضع تعريفات دقيقة لتحريض الكراهية بما يتوافق مع المعايير الدولية، تأتي الفقرة الثانية لتنسف هذه الفلسفة؛ إذ تعاقب على “اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة” بعقوبات حبس تصل إلى ثلاث سنوات. هذا التناقض أثار انتقادات حقوقيّة، مثل مؤسسة “مهارات”، التي رأت أن هذه العبارات “الفضفاضة” تعيد تجريم النشر بمدخلات مطاطة، مما يفتح الباب أمام الملاحقات الجزائية تحت غطاء قانوني غير واضح، وهو ما يتنافى مع مبدأ اليقين القانوني الذي يقتضي أن يكون الفعل المجرّم قابلاً للتوقع، مما جعل هذه المادة عقبة في طريق التحديث.

الى ذلك، تشير المقارنات الإقليمية والدولية إلى اتجاه عالمي نحو إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، والتركيز على تنظيم “البيئة المحيطة” للإعلام. ففي أوروبا، لا يقتصر التشريع على المحتوى، بل يمتد ليشمل شفافية الملكية، استدامة المؤسسات اقتصادياً، ومواجهة مخاطر تركز السوق وسطوة المنصات الرقمية. هذا البعد يغيب جزئياً عن المشروع اللبناني الذي لا يزال محبوساً في منطق “المؤسسة” التقليديّة. وقد أكدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في رأيها الصادر مؤخراً، أن الاقتراح لم يستوعب بشكل كافٍ تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، ولم يميز بدقة بين حرية التعبير وحرية الصحافة.

في الخلاصة، إن الاختبار الحقيقي لقانون الإعلام ليس في طوله أو في تحديث كلماته، بل في قدرته على حماية الصحافة في بيئة رقمية شديدة التعقيد. إذا اكتفى النقاش بتعديل المادة 104 فقط، فإنه قد يزيل فتيل اعتراض قانوني، لكنه لن يحل أزمة الإعلام اللبناني المزمنة. المطلوب هو قانون يحمي الحرية لا من السلطة السياسية فحسب، بل من الاحتكار المالي، والتدخلات التمويليّة، ومن هشاشة المؤسسات التي تجعل الصحفي عرضة للضغوط. دون هذه الرؤية الشاملة، سيبقى القانون مجرد تبديل في النصوص لا إصلاحاً حقيقياً يواكب التحولات العميقة في عالم اليوم.فالإصلاح أبعد من تعديل نص…

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live