ثلاثة أشهر تقرر مصير مطرقة الكونغرس

لم تعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني المقبل مجرد استحقاق دوري عادي. إنها، بكل ما تنطوي عليه من تشعبات وحسابات، المحطة التي ستحدد ما إذا كانت إدارة دونالد ترامب ستواصل مسارها التشريعي بلا عوائق، أم أنها ستجد نفسها في مواجهة كونغرس منقسم يُقيّد خياراتها ويُحكم رقابته عليها. والحكم المبكر، في الاتجاهين، سيكون خاطئاً.

يبدأ الجمهوريون المعركة من موقع يبدو مريحاً في ظاهره، لكنه أقل متانة مما توحي به الأرقام. فالتوزيع الحالي لمجلس النواب البالغ عدد أعضائه 435 عضواً هو 218 جمهورياً مقابل 212 ديمقراطياً، إلى جانب عضو مستقل واحد وأربعة مقاعد شاغرة. وهذا يعني أن الديمقراطيين لا يحتاجون إلى اجتياح الخريطة الانتخابية كي يُعيدوا السيطرة على المجلس؛ يكفيهم انتزاع عدد محدود من المقاعد في الدوائر المتأرجحة، وهي وفق موقع Ballotpedia 46 دائرة تمثل نحو 12% من إجمالي المقاعد، 25 منها يشغلها ديمقراطيون حالياً و21 يشغلها جمهوريون.

لكن الرقم وحده لا يكفي للتنبؤ بالنتيجة. فليست كل الدوائر التنافسية متساوية في قابليتها للانقلاب. بعضها مرتبط بشخصية المرشح وسمعته المحلية أكثر من ارتباطه بالمزاج الوطني العام. وفي نيويورك مثلاً، يخوض الجمهوري مايك لولر معركة في دائرة فاز فيها ترامب عام 2024، غير أنه نجح في بناء صورة أكثر اعتدالاً تجعل إسقاطه أصعب مما توحي به الخريطة الحزبية. وهنا يكمن جوهر التحدي الديمقراطي: تحويل التقدم الوطني إلى انتصارات في دوائر بعينها، وهو ما لا تكفل الاستطلاعات العامة وحدها تحقيقه.

أما مجلس الشيوخ، فيفرض على الديمقراطيين حسابات أشد تعقيداً. فالجمهوريون يمتلكون 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، ما يعني أن استعادة الأغلبية تستلزم مكسباً صافياً من أربعة مقاعد على الأقل. وتضع الخريطة الجغرافية ولايات جورجيا وميشيغان ونورث كارولاينا في قلب هذه المعركة وفق تحليلات Inside Elections، إذ لا يكاد يكون بمقدور الديمقراطيين بلوغ الأغلبية من دون الفوز بها. وفي ميشيغان تحديداً تحولت المعركة إلى سباق مفتوح بعد إعلان السيناتور غاري بيترز تقاعده، ما يجعلها واحدة من أكثر السباقات جاذبية لاستثمارات الحزبين.

تمنح استطلاعات الاقتراع العام الديمقراطيين أفضلية ملموسة في الوقت الراهن. ففي استطلاعActiVoteالذي أُجري في مطلع آب، تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بخمس نقاط بين الناخبين المرجح مشاركتهم. بيد أن هذا التقدم الوطني لا يتحول تلقائياً إلى مقاعد، إذ تُحسم الانتخابات الأميركية في كل دائرة على حدة، لا بمجموع الأصوات الوطني.

والأكثر دلالة أن مؤشرات الاستطلاعات تعكس مزاجاً أعمق مما يوحي به مجرد رفض ترامب. ففي استطلاع Marquette Law School الوطني الصادر في أيار الماضي، لم تتجاوز نسبة تأييد الرئيس على ملف التضخم وكلفة المعيشة 22%، فيما أشار 37% من المشاركين إلى أن هذا الملف هو الأكثر أهمية بالنسبة إليهم. وهذا يعني أن الناخب في الولايات المتأرجحة قد لا يحمل في ذهنه حين يدخل غرفة الاقتراع صورة المعارك الأيديولوجية في واشنطن، بقدر ما يحمل هموم الإيجار وأسعار البنزين وفواتير آخر الشهر.

وهنا يكمن السلاح الانتخابي الأخطر على الجمهوريين: ليس خطاب المعارضة، بل الاقتصاد اليومي الملموس. فالتعريفات التجارية، وارتدادات الحرب مع إيران على أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، كلها قضايا قد تصل إلى الناخب الأميركي من بوابة واحدة: حياته اليومية. والسؤال الانتخابي الحقيقي قد لا يكون “هل تؤيد سياسة ترامب الخارجية؟”، بل “هل جعلت هذه السياسة حياتي أقل كلفة وأكثر أماناً؟”.

وفي قلب هذه المعادلة تقف شخصية ترامب عاملاً عصياً على القياس بالأرقام. فهو لا يزال يمتلك نفوذاً هائلاً داخل حزبه، خصوصاً في الانتخابات التمهيدية. غير أن ما ينجح في استقطاب القاعدة الجمهورية المتحمسة قد لا يكون ما يقنع الناخب المستقل في دائرة متأرجحة. ومن هنا تنشأ معضلة المرشح الجمهوري: هو يحتاج إلى القرب من ترامب لاجتياز التمهيديات، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى مسافة منه تجعله مقبولاً في نوفمبر.

أما إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، فلن تكون النتيجة نهاية قدرة ترامب على الحكم، لكنها ستفتح عهداً جديداً من التحقيقات الرقابية وتصعّب تمرير التشريعات الكبرى. وإذا ظل الجمهوريون في مجلس الشيوخ، فإن واشنطن ستدخل مرحلة انقسام مؤسسي تدفع البيت الأبيض إلى التركيز أكثر على المجالات التي تتحرك فيها السلطة التنفيذية بمفردها، ولا سيما السياسة الخارجية.

والخلاصة التي تسمح بها المعطيات المتاحة حتى الآن أن الديمقراطيين يمتلكون فرصة جدية لاستعادة مجلس النواب، لكنها ليست محسومة. وطريقهم إلى مجلس الشيوخ أوعر بكثير. أما السيناريو الأرجح، بحسب قراءة الخريطة، فهو كونغرس منقسم: مجلس نواب ديمقراطي في مواجهة مجلس شيوخ جمهوري، وواشنطن في مرحلة مساومات ومواجهات ستمتد حتى نهاية ولاية ترامب.

ثلاثة أشهر تفصل الأميركيين عن هذا الاستحقاق. وفيها يمكن أن تتغير الاستطلاعات، وتتصاعد الميزانيات الانتخابية، ويُعيد حدث اقتصادي أو أمني كبير ترتيب أولويات الناخبين. لذا فإن السؤال الأدق في ذلك اليوم لن يكون: هل ستحدث موجة زرقاء؟ بل: كم مقعداً يستطيع الديمقراطيون تحويله من غضب وطني إلى انتصار محلي؟ فإن نجحوا، انتقلت المطرقة إلى يد أخرى. وإن أخفقوا، بقيت واشنطن على حالها حتى إشعار آخر.

 

طائر الفينيق

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live