تشريح الجمهورية الأخيرة: مقامرة عون الكبرى في صالون ترامب

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن في هذا الصيف اللاهب من عام ٢٠٢٦ مجرد محطة بروتوكولية لطلب المساعدات، بل كانت أشبه بعملية “قلبٍ مفتوح” لجمهورية تقف على حافة الزوال. في المكتب البيضاوي، وتحت أضواء العشاء الدبلوماسي في السفارة اللبنانية، لم تُلتقط الصور التذكارية فحسب، بل رُسمت الخطوط العريضة لـ”هندسة جيوسياسية” جديدة للبنان المشرق.

إن القراءة السطحية للنصوص المرفقة توحي بانتصار دبلوماسي أميركي-لبناني كلاسيكي؛ رئيس أميركي يغدق الوعود، ورئيس لبناني يعرض ولاء مؤسسته العسكرية. لكن الغوص في عمق الكلمات، وتحدي الافتراضات السائدة، يُميط اللثام عن مشهد أشد تعقيداً وخطورة. نحن أمام رئيس أميركي يتعاطى مع الشرق الأوسط بعقلية “الصفقات العقاريّة الكبرى”، ورئيس لبناني يطرح مشروعاً هو الأخطر في تاريخ لبنان الحديث: شراء سلاح “حزب الله” وإعادة إدماج بيئته، تحت تهديد “كماشة إقليمية” غير مسبوقة.

براغماتية ترامب الصادمة

الافتراض السائد في الأوساط السياسية هو أن الإدارة الأميركية تسعى لسحق الحزب عسكريًّا وإلغائه من الوجود. لكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي نسفت هذا الافتراض من جذوره، لتكشف عن براغماتية فجّة خالية من أي ثقل أيديولوجي.

عندما صرّح ترامب علانية: “إذا طلب مني الرئيس عون التحدث إلى حزب الله، فسأفعل ذلك”, فإنه أسقط عقودًا من التصنيف الأميركي للحزب كمنظمة إرهابيّة لا يُفاوض معها. ترامب، بصفته صانع صفقات، ينظر إلى حزب الله ليس كشيطان ميتافيزيقي، بل كـ”عقدة أمنية” قابلة للحلّ عبر التفاوض إذا وُجد الثمن المناسب. هذا العرض الأميركي المفتوح يشير إلى أن واشنطن تدرك استحالة إلغاء الحزب بالضربة القاضية الإسرائيلية، وتفضّل احتواءه سياسياً لضمان نجاح “صيغة الإطار” وجرّ لبنان لاحقاً إلى قطار “الاتفاقات الإبراهيمية” التي ذكرها ترامب صراحة كخارطة طريق اقتصادية للمنطقة.

الكماشة السورية المستجدة

لعل الزاوية الأهم والأكثر رعبًا في لقاء البيت الأبيض، والتي غابت عن الكثير من التحليلات الكلاسيكية، هي الإشارة الأميركية الصريحة إلى المتغير السوري. إشادة ترامب بـ”أحمد الشرع” (أبو محمد الجولاني)، مهندس حقبة ما بعد سقوط دمشق، وقوله إنه “يود التدخل والقيام بشيء ما بشأن حزب الله. وأعتقد أن ذلك سيكون فعالاً جدًّا”، ليست مجرد دردشة عابرة.

هذا التصريح يكشف عن استراتيجية أميركية-إسرائيلية لمحاصرة “حزب الله” في لبنان بـ”كماشة استراتيجية”. فمن الجنوب، تقف الآلة العسكرية الإسرائيلية، ومن الشمال والشرق، يتحضر النظام السوري الجديد بقيادة الشرع لتصفية الحسابات التاريخيّة مع الحزب. واشنطن تدرك أن الحزب فقد عمقه الاستراتيجي ورئته السورية، وتستخدم هذا التهديد الوجودي لدفعه نحو القبول بشروط الدولة اللبنانية. ترامب يلوّح لعون بورقة “الشرع” ليقول له: إما أن ينزع الجيش اللبناني سلاحهم بسلاسة، أو سنترك الفصائل السوريّة المسلحة تلتهمهم من الخلف.

هندسة التفكيك الناعم

بالانتقال إلى خطاب الرئيس جوزاف عون في السفارة اللبنانية، نجد أنفسنا أمام نصّ سياسي عالي الدقة، كُتب بعقليّة جنرال يدرك أن الحرب الأهلية هي الهزيمة المطلقة. الافتراض اللبناني السائد هو أن عون ذهب ليأخذ تفويضًا أميركيًّا بـ”سحق” المقاومة. لكن تفكيك الخطاب يثبت العكس؛ عون طرح مشروعًا أكاديميًّا وعمليًّا يُعرف دوليًّا ببرامج نزع السلاح، التسريح، وإعادة الإدماج.

من خلال تشبيهه لحالة الحزب بحركات “فارك” الكولومبية و”الجيش الجمهوري الأيرلندي”، جرد عون الحزب من هالته “المقدّسة والمقاومة”، ليضعه في خانة “الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة” التي انتهت صلاحيتها الإقليميّة. لكنّه في الوقت ذاته، وفّر لهم مخرجاً آمناً. عون قال للأميركيين بوضوح: لا يمكن تفكيك جيش عقائدي يمثل شريحة لبنانية واسعة بالقوّة العسكرية فقط. المعادلة التي طرحها هي: “نزع السلاح يبدأ بإزالة الذريعة (الاحتلال الإسرائيلي)، وينتهي بالفرص الاقتصادية الحقيقية”.

رئيس الجمهورية وضع واشنطن أمام مسؤولياتها: إذا أردتم القضاء على نفوذ طهران وسلاح الحزب، عليكم أن تموّلوا “مشروع مارشال” لبناني. السلاح لا يُهزم بالسلاح المضاد في الأزقة، بل يُهزم بدولة قادرة على توفير الرفاهية والخدمات لبيئة باتت منهكة من حروب لا تنتهي.

المظلة الشيعية الرسمية

في خطوة تعكس دهاءً سياسياً محلياً، لم يقدّم عون نفسه في واشنطن كمنقلب على طائفة بأكملها. عندما سُئل عن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من “صيغة الإطار”، كان بإمكان رئيس الجمهوريّة التهرب بحجة الصلاحيات الدستورية (وهو ما ذكره)، لكنه تعّمد إسباغ “المظلة الشيعية الرسمية” على مساره.

قوله إن بري “داعم لما نقوم به” و”رجل دولة يريد إنهاء الحرب”، هو رسالة مزدوجة. أولاً، للإدارة الأميركية، ليؤكد أن مسار نزع السلاح يحظى بغطاء من رأس الهرم التشريعي الممثل للطائفة الشيعية. وثانياً، لبيئة حزب الله في الداخل، ليقول إن الانخراط في مشروع الدولة ليس هزيمة للطائفة، بل هو خيار مؤسساتها الرسمية لإنقاذ ما تبقى من الجنوب الذي “يُدمر أمام عيني بري”.

خلاصةمقامرة الفرصة الأخيرة

تُظهر القراءة العميقة لمقررات القمة والخطاب المرافق لها أن لبنان يقف أمام مقامرة تاريخية لا تحتمل أنصاف الحلول. الرئيس جوزاف عون لم يذهب إلى واشنطن لبيع سيادة لبنان، بل ذهب لمحاولة استنقاذها من بين أنياب التسويات الكبرى. هو يدرك أنّ بلاده محاصرة بين فكّي براغماتية ترامب التي لا تقيم وزناً إلا للمصالح الاقتصادية (وأمن إسرائيل)، وبين متغير سوري شرس يتحيّن الفرصة للانقضاض على الحدود الشرقية.

المشروع الذي طرحه عون في واشنطن متكامل نظرياً: انسحاب إسرائيلي فعلي، غطاء شيعي رسمي، جيش وطني متماسك، وحوافز اقتصادية دوليّة لابتلاع فائض القوّة لدى حزب الله. لكن نقطة الضعف القاتلة في هذا المنطق تكمن في الجانب المالي (الوعود الأميركية غالباً ما تتبخر عند دفع الفواتير الكبرى)، وفي مدى تقبّل النواة الصلبة والعقائديّة لـ”حزب الله” ومحور طهران لفكرة “التسريح الاقتصادي” مقابل التخلي عن عقيدة راكمت قوتها لأربعين عاماً.

لبنان اليوم، كما وصفه عون، جسر بين الشرق والغرب، ولكنه جسر مفخخ. إذا أوفت واشنطن بوعودها المالية والسياسية (وهو أمر مشكوك فيه تاريخيًا)، وقبِل حزب الله بالواقع الإقليمي الجديد، فقد نشهد ولادة الجمهورية اللبنانية الثالثة. أما إذا تعثرت وعود التمويل، وقررت طهران القتال بآخر معقل لها في المشرق، فإن “صيغة الإطار” لن تكون سوى وثيقة دولية تُشرعن أشرس حرب أهليّة سيشهدها تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

ج س

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live