
الافتراض السائد أن الحرب الأميركية الإيرانية انتهت بمذكرة تفاهم في حزيران انتهى. الواقع يقول العكس. منذ السابع من تموز الجاري، انهار كل شيء. مضيق هرمز أغلق مجددا حتى إشعار آخر، وباب المندب دخل الحصار، وسماء الخليج تعيش القصف الأميركي المتواصل منذ أيام عدّة، بينما يلوّح الرئيس الأميركي دونالد دونالد ترامب بحرب شاملة لا تفاوض بعدها. ما يجري ليس مناوشة بحرية، بل إعادة رسم لخريطة الطاقة والأمن في الشرق الأوسط.
هرمز يغلق مجددا
أعلن الحرس الثوري الإيراني أن مضيق هرمز مغلق حتى إشعار آخر بعد إطلاقه طلقات تحذيرية على سفينة قال إنها استخدمت مسارا غير مصرّح به، وأكدت هيئة تنظيمية إيرانية جديدة تسمى سلطة الخليج الفارسي للمضيق أن العبور غير ممكن بسبب التحركات غير القانونية للقوات الأميركية.
الرد الأميركي جاء فوريا. القيادة المركزية قالت إن عملياتها تهدف إلى تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية وإن المضيق مفتوح وتحت المراقبة، لكن بيانات الشحن تكشف تراجعا حادا في العبور، وناقلات اشتعلت بعد اصطدامها بألغام، وحرس الثورة أكد أنه أوقف ناقلتين غير ملتزمتين.
هذا الإغلاق ليس تكتيكيا. طهران تفرض رسما على العبور وتطالب بمسار شمالي قريب منها، وواشنطن ترد بإعادة فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية منذ ١٣ نيسان، فيما أصبحت المواجهة مباشرة على السفن نفسها. إيران هاجمت سفن حاويات، وواشنطن تتهمها بإطلاق مسيّرات انتحارية على سفينة سنغافورية، وكل هجوم ينسف ما تبقى من المذكرة.
كماشة البحر الأحمر
الافتراض الثاني الذي سقط هو أنّ السعودية وجدت مخرجا آمنا. بعد إغلاق هرمز، حولت الرياض أكثر من ٧٠٪ من صادراتها، نحو ٥٫٢٩ مليون برميل يوميا، إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. الآن هذا المخرج يغلق.
أعلن الحوثيون، ذراع إيران في اليمن، الاثنين حصارا بحريا فوريا على السعودية، وقالوا إنهم سيغلقون باب المندب، الممر الضيّق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويمر عبره النفط السعودي إلى آسيا.
البيان الحوثي تحدّث عن معادلة عين بعين ردا على ما وصفوه بحصار سعودي ظالم لاثني عشر عاما، لكن مصادر مقرّبة كشفت أن ممثلي الحرس الثوري الموجودين في اليمن هم من يتحكمون بقرار التوقيت، وأن طهران طلبت من الحركة أن تكون جاهزة لإغلاق الممر إذا ضربت أميركا شبكة الكهرباء والبنية التحتية الحيوية.
الإغلاق المزدوج يعني ضربة مزدوجة. إغلاق هرمز وحده خفّض إمدادات الخليج ١٠٪، وإغلاق باب المندب قد يحذف ٧٪ إضافية من المعروض العالمي، بحسب تقديرات أولية، فيما قفز خام برنت إلى نحو ٩٠ دولارا الاثنين مع تحذيرات من وصوله إلى ١٢٠ وربما ٢٠٠ دولار إذا نفذ التهديد.
ترامب يتوعد
هنا يدخل البيت الأبيض بمنطق مختلف تماما عن منطق الوسطاء. ترامب أعلن أن اتفاق وقف إطلاق النار انتهى بعد هجمات هرمز، وقال إن إيران انتهكت المذكرة، وإن المفاوضات أصبحت مضيعة للوقت.
منذ ذلك الحين، تشن الولايات المتحدة على التوالي ضربات تستهدف مراكز قيادة عسكرية، وقدرات بحرية، ومواقع إطلاق صواريخ ومسيّرات، وأنظمة دفاع جوي ومراقبة ساحلية، بهدف إضعاف قدرة طهران على تهديد الملاحة.
لكن الكلفة ارتفعت. البنتاغون أقر بمقتل ١٧ جنديا أميركيا منذ ٢٨ شباط، بينهم قتلى مباشرون في قاعدة موفق السلطي في الأردن بطائرات مسيّرة إيرانية، وإصابة آخرين في العراق، ووصول جثامين مجهولة بعد هجمات على القواعد. ترامب رد على تروث سوشيال: كل مرة تقتل فيها إيران جنديا أميركيا ستدفع الثمن أضعافا مضاعفة، وأصدر توجيها لوزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس الأركان دانيال كين بتنفيذ انتقام واسع.
الأخطر أن ترامب أرسل إلى الكونغرس في ١٠ تموز إخطارا رسميا بأن الأعمال العدائية استؤنفت منذ ٧ تموز، ما يفتح نافذة ٦٠ يوما لاستخدام القوّة دون تفويض جديد، فيما كشفت نيويورك تايمز عن نقل مقاتلات ف-١٦ من ألمانيا و ف-٣٥ الشبحية من بريطانيا إلى المنطقة استعدادا لعودة الحرب من جديد. تصريحاته الأخيرة كانت أكثر حدة: إيران تضرّرت بشدة، لم يبق لديها شيء عسكريا، وإن اضطررنا سنمحوها، في إشارة لا تترك مجالا للدبلوماسية.
وسطاء يلهثون
مقابل هذا التصعيد، يتحرك مسار آخر محموم. “رويترز” نقلت عن مسؤول إيراني كبير أن الوسطاء، وفي مقدمتهم قطر، مرروا مقترحا لوقف إطلاق نار لمدة ١٠ أيام لإحياء الاتفاق الموقت الموقع في ١٧ حزيران،والذي كان يتضمن إعادة فتح هرمز وخارطة طريق نووية وأمنية.
أكسيوس ذهبت أبعد، وكشفت أن واشنطن وطهران ومجموعة وسطاء إقليميين يناقشون هدنة ٤٥ يوما على مرحلتين تنتهي بإنهاء دائم للحرب، مع مهلة حددها ترامب حتى مساء الثلاثاء لفتح هرمز أو ضرب البنية التحتية الحرجة.
الصحيفة عنونت اليوم ما لخصه كثيرون: وسطاء إيران يدفعون إلى وقف جديد بينما يتطلع ترامب إلى حرب شاملة. المفارقة أن الوسطاء أنفسهم يخشون سيناريو الاستنزاف الطويل، حرب دون حرب شاملة لكنها تعطل الاقتصادات الإقليميّة إلى ما لا نهاية وتفتح باب سوء تقدير كارثي.
السعودية في المرمى
الافتراض الثالث الذي يجب تحدّيه هو أن السعودية بعيدة. الحقيقة أن المملكة أصبحت في قلب الكمّاشة. تحويل الصادرات إلى ينبع كان حلاًّ ذكيا، لكنه أصبح نقطة ضعف استراتيجيّة بعد إعلان الحصار الحوثي. إغلاق باب المندب يوقف صادراتها إلى آسيا، ويرفع كلفة التأمين البحري التي وصلت في هرمز إلى ١٠٪ مع تعليق بعض الشركات لعروضها ونصح أخرى بوقف العبور تماما.
واشنطن بوست لخصت المشهد بدقة: الولايات المتحدة وإيران تتبادلان هجمات تجارية على البنية التحتية، والحوثيون يعلنون حصارا على طريق النفط في البحر الأحمر. لم تعد الحرب بين واشنطن وطهران فقط، بل حرب على التجارة نفسها. تدمير جسر يربط بندر عباس بكهورستان، وقصف محطات تحلية في الكويت وينبع، وضرب سفن تجارية قرب عمان، كلها جزء من نفس الاستراتيجية.
لبنان تحت النار
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الخليج، يبقى لبنان جبهة مشتعلة بصمت. رغم إطار العمل الموقع في حزيران الفائت لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب عبر مناطق تجريبية يتسلمها الجيش اللبناني، لا تزال إسرائيل تحتفظ بمنطقة أمنية بعمق ١٠ كيلومترات وتشن غارات يومية.
وكان العدو الاسرائيلي شنّ ضربات جديدة على بلدات على حافة المنطقة في صور والنبطية، وزعم الجيش الإسرائيلي إنه استهدف خلية لحزب الله قرب تبنيت بعد رصد مسيّرة، في حين يرفض حزب الله الاتفاق ويشترط انسحابا غير مشروط. رئيس الجمهورية جوزاف عون موجود في واشنطن بدعوة من ترامب لبحث وقف إطلاق النار والانسحاب، في أول زيارة لرئيس لبناني منذ ٢٠٠٩، لكن على الأرض الحرب مستمرة، وأكثر من ٤٠٠٠ شهيد وأكثر من مليون نازح منذ آذار وفق وزارة الصحة اللبنانية.
اقتصاد يحترق
النفط هو السلاح والضحية معا. الحوثيون يهدّدون برفع السعر إلى ٢٠٠ دولار، والأسواق تراقب. شركات التأمين ترفع الأقساط، وشركات الشحن تعيد تقييم المسار العماني بعد هجمات على خمس سفن منذ ٧ تموز، بينها ناقلات عملاقة وسفينة غاز مسال وسفينة حاويات. حتى عندما تقول القيادة المركزية إن الممر آمن، فإن الواقع البحري يقول إن عدد السفن العابرة يواصل الانخفاض مع كل ليلة قصف.
مستنقع بلا مخرج
هنا تصل فايننشال تايمز إلى بيت القصيد: ترامب ينزلق إلى مستنقع إيران. شعار السلام عبر القوة لم ينتج سلاما. الحملة لم تركّع النظام، بل منحته ورقة تفاوضيّة جديدة بإغلاق هرمز، والآن بورقة ثانية في باب المندب. القوّة أثبتت محدوديتها، والحديث عن تغيير النظام عاد إلى الواجهة بعدما قال ترامب سابقا إنه لا يؤمن به.
الخلاصة أننا أمام حرب تجاريّة وعسكرية مفتوحة على ثلاثة بحار، يقودها منطقان متناقضان: وسطاء يريدون ١٠ أيام لالتقاط الأنفاس، ورئيس أميركي يريد ٦٠ يوما لإنهاء المهمة. وبينهما، السعودية محاصرة بين مضيقين، ولبنان يدفع ثمنا يوميا، وأسعار الطاقة تتحول إلى سلاح استراتيجي. من يفترض أن إغلاق هرمز مجرد ورقة ضغط، أو أن الحوثيين مجرد أداة هامشية، أو أن جبهة لبنان منفصلة، يخطئ قراءة الخريطة. المعركة واحدة، والبحر يحترق من كل ضفة.
ج س

