لقاء روما يفتح باب التنفيذ… والجنوب يختبر صدقية الضمانات الأميركية

شكّل الاجتماع السادس بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في روما محطة مفصلية في مسار الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين، بعدما أعلن الوسيط الأميركي الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ التقني، في وقت واصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته في جنوب لبنان، ما أبقى علامات الاستفهام قائمة حول قدرة الدبلوماسية على مواكبة الوقائع الميدانية.

وأعلنت السفارة الأميركية في بيروت، نقلًا عن مسؤول أميركي، أن المحادثات التي استمرت يومين انتهت بـ”مناقشات إيجابية وبنّاءة”، وأن المشاركين اتفقوا على “هيكلية وإرشادات” آلية “المناطق التجريبية”، على أن تُستكمل خلال الأيام المقبلة، قبل الانتقال إلى محادثات تقنية موسعة لتنفيذ جميع بنود الإطار الثلاثي بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل.

وتقاطع هذا الموقف مع ما أوردته وكالات وصحف دولية، بينها “رويترز” و”أسوشيتد برس”، التي اعتبرت أن اجتماع روما سجّل تقدمًا إجرائيًا، لكنه لم يفضِ إلى اختراق سياسي نهائي، إذ لم يتضمن أي إعلان عن جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ولم يتطرق إلى آلية ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية خلال مرحلة التنفيذ.

وتبرز أهمية الاجتماع في كونه نقل النقاش من إدارة الخلاف إلى البحث في آليات التطبيق، ولا سيما ما يتعلق بانتشار الجيش اللبناني في مناطق يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية ضمن نموذج “المناطق التجريبية”. إلا أن هذه الخطوة لا تعني أن القضايا السياسية الجوهرية قد حُسمت، بل تشير إلى محاولة أميركية لفصل المسار التنفيذي عن الملفات الأكثر تعقيدًا، تمهيدًا لمعالجتها لاحقًا إذا نجحت المرحلة الأولى.

غير أن ما بين سطور البيان الأميركي يشي بأن واشنطن فضّلت الحديث عن آلية تنفيذ تدريجية، بدلًا من الالتزام بمواعيد واضحة للانسحاب الإسرائيلي. ويعكس ذلك مقاربة تقوم على اختبار نجاح التنفيذ في نطاق جغرافي محدود قبل توسيعه، بما يسمح ببناء وقائع ميدانية قابلة للاستمرار، بدل السعي إلى تسوية شاملة دفعة واحدة.

لكن هذه المقاربة اصطدمت باستمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، حيث تواصلت الغارات وعمليات التدمير في عدد من البلدات الحدودية بالتزامن مع انعقاد الاجتماع. ويعكس هذا التزامن وجود مسارين متوازيين: مسار تفاوضي تقوده الولايات المتحدة، وآخر ميداني تواصل إسرائيل من خلاله فرض وقائع على الأرض، الأمر الذي يضع الوساطة الأميركية أمام اختبار عملي، لا سيما أن نجاحها لن يُقاس بالبيانات الإيجابية، بل بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى خطوات ملموسة.

ويكتسب اجتماع روما أهمية إضافية لتزامنه مع زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مؤشر إلى أن الملف اللبناني يُدار على مستويين متكاملين: الأول تقني في روما، والثاني سياسي في البيت الأبيض. ويعزز هذا التزامن الانطباع بأن واشنطن تحاول توفير غطاء سياسي للمفاوضات الجارية، بالتوازي مع استكمال تفاصيلها التقنية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بوجود ضغوط أميركية على الحكومة الإسرائيلية من عدمه، بل بمدى قدرتها على ترجمة هذه الضغوط إلى التزامات عملية. فحتى الآن، لم ينعكس الحديث عن التهدئة على سلوك إسرائيل الميداني، ما دفع محللين إلى التشكيك في فاعلية الضغوط الأميركية، بينما يرى آخرون أن الإدارة الأميركية تعتمد سياسة التدرج، وتفضّل تحقيق تقدم مرحلي بعيدًا من الضجيج السياسي والإعلامي.

في المقابل، تبدي أوساط لبنانية تحفظًا على الإفراط في التفاؤل، مستندة إلى أن إسرائيل لم تنفذ حتى الآن تعهدات سابقة تتعلق بالانسحاب أو وقف الخروقات، ما يجعل أي تقدم تقني عرضة للتعثر إذا لم يقترن بضمانات تنفيذية واضحة وآليات مراقبة فعالة.

وبذلك، لا يمكن اعتبار اجتماع روما اتفاقًا نهائيًا، بل بداية مرحلة جديدة سيكون معيار نجاحها ما سيجري في جنوب لبنان خلال الأسابيع المقبلة. فإذا أفضت المحادثات التقنية إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار فعلي للجيش اللبناني، يكون الاجتماع قد دشّن انتقالًا من إدارة الأزمة إلى تنفيذ الحلول. أما إذا استمرت الاعتداءات من دون تغيير ملموس، فسيبقى ما تحقق محصورًا في الإطار الإجرائي، فيما يستمر الميدان في فرض إيقاعه على الدبلوماسية، لا العكس.

ج.س

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live