كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن تفاصيل جديدة تتعلق بالتحقيقات الأوروبية الجارية في ملف حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، مشيرة إلى أن بنك HSBC «إتش إس بي سي» واجه منذ سنوات مؤشرات داخلية أثارت الشبهات بشأن حركة أموال ضخمة مرتبطة بشركة «فوري أسوشيتس» التي يسيطر عليها شقيقه، رجا سلامة.
وبحسب الصحيفة، بدأت الشكوك داخل البنك في شباط ٢٠١٣ عندما أثار أحد مسؤولي الامتثال تساؤلات بشأن تدفقات مالية تجاوزت ١٠٠ مليون دولار عبر حساب تابع لشركة «فوري أسوشيتس» لدى الوحدة الخاصة للبنك في سويسرا، في ظل نقص المعلومات المتعلقة بطبيعة هذه التحويلات ومصدرها.
وأوضحت أن الملف أُحيل لاحقاً إلى مسؤولين كبار مكلفين بمراجعة الحسابات المرتبطة بالأشخاص المعرضين للمخاطر السياسية، إلا أن البنك قرر الاستمرار في العلاقة المصرفية مع الشركة رغم التحذيرات الداخلية.
وتشير التحقيقات الفرنسية إلى أن ما يقارب ٣٣٠ مليون دولار حُوّلت من مصرف لبنان إلى شركة «فوري أسوشيتس» بين عامي ٢٠٠٢ و٢٠١٥، فيما جرى رصد ١٧٤ عملية تحويل من حسابات الشركة إلى الحسابات الشخصية لرجا سلامة لدى «إتش إس بي سي» خلال الفترة الممتدة بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٦، بقيمة إجمالية بلغت ٢٠٤ ملايين دولار.
وذكرت الصحيفة أن المدعين العامين في فرنسا وجهوا خلال هذا الشهر اتهامات أولية إلى الوحدة السويسرية التابعة للبنك على خلفية شبهات تتعلق بالمساعدة في اختلاس أموال عامة وغسل أموال، على أن يقرر القضاء لاحقاً ما إذا كانت القضية ستُحال إلى المحاكمة أو سيتم إسقاطها.
وبحسب التحقيقات الأوروبية واللبنانية، فإن شركة «فوري أسوشيتس» لعبت دوراً محورياً في مخطط مزعوم لتحويل أموال من مصرف لبنان، في حين ينفي رياض سلامة أي علاقة له بالشركة أو بأنشطتها.
وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات السويسرية اعتمدت على مجموعة واسعة من الأدلة التي جُمعت خلال سنوات من التحقيقات، كما فتحت تحقيقات منفصلة بشأن شبهات غسل أموال مشدد داخل الوحدة السويسرية التابعة لـ«إتش إس بي سي».
وكانت الهيئة الرقابية السويسرية «فينما» قد خلصت في قرار صدر عام ٢٠٢٤ إلى أن البنك ارتكب مخالفات جسيمة تتعلق بقواعد مكافحة غسل الأموال في تعامله مع عملاء مرتبطين بلبنان، منتقدة تأخره في إبلاغ السلطات المختصة رغم تزايد المؤشرات التحذيرية.
ولفتت الصحيفة إلى أن الفترة التي تخضع للتحقيق، الممتدة بين عامي ٢٠٠١ و٢٠١٦، تتزامن مع واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البنك، بعدما دفع عام ٢٠١٢ غرامة قياسية بلغت ١,٩ مليار دولار لتسوية اتهامات أميركية تتعلق بالسماح بمرور أموال مرتبطة بعصابات مخدرات وممولي الإرهاب عبر نظامه المصرفي.
كما كشفت الوثائق أن البنك احتفظ بعلاقته مع شركة «فوري أسوشيتس» لسنوات طويلة رغم تكرار التنبيهات الصادرة عن أنظمة الرقابة الداخلية منذ عام ٢٠٠٦، واستمر في التعامل مع الشركة اعتماداً على مراسلات ووثائق اعتبرها لاحقاً المحققون غير كافية لتبرير حجم التحويلات المالية.
وفي عام ٢٠١٥، حصل البنك للمرة الأولى على نسخة من العقد المبرم بين مصرف لبنان وشركة «فوري أسوشيتس»، إلا أن التحقيقات كشفت وجود اختلافات بين النسخة المقدمة للبنك والعقد الأصلي الموقع عام ٢٠٠٢، ما دفع وحدة الاستخبارات المالية التابعة له إلى إطلاق مراجعة جديدة للملف.
وأظهرت التحقيقات الداخلية آنذاك أن الجزء الأكبر من الأموال التي دخلت حساب الشركة كان يُحوّل لاحقاً إلى حسابات رجا سلامة الشخصية قبل انتقاله إلى مصارف أخرى في لبنان، ما دفع المحققين إلى اعتبار تلك الحسابات بمثابة قناة عبور لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال.
وفي مطلع عام ٢٠١٦، قرر «إتش إس بي سي» إنهاء جميع العلاقات المصرفية المرتبطة برجا سلامة، مؤكداً أن القرار جاء ضمن سياسة إدارة المخاطر الخاصة بالمجموعة وليس نتيجة شبهات مباشرة تتعلق بغسل الأموال.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن البنك لم يرفع تقريراً إلى وحدة مكافحة غسل الأموال في سويسرا إلا خلال عام ٢٠٢٠، أي بعد سنوات من إغلاق الحسابات المعنية، وفي وقت كان الاقتصاد اللبناني يشهد انهياراً غير مسبوق، وهو ما اعتبرته الجهات الرقابية السويسرية إجراءً متأخراً للغاية.

