العطاس والرائحة: ما الذي يخرج فعلاً من جهازك التنفسي؟

العطاس يُعد واحدًا من أكثر المنعكسات العصبية تعقيدًا في الجهاز التنفسي العلوي، وهو ليس مجرد اندفاع ميكانيكي للهواء، بل عملية فسيولوجية منسقة بدقة بين الجهاز العصبي المركزي والأعصاب القحفية والعضلات التنفسية. يحدث العطاس عندما تقوم مستقبلات حسية دقيقة موجودة في الغشاء المخاطي للأنف وخاصة في منطقة الظهارة الشمية والقرينات الأنفية بالاستجابة لمحفزات مثل الغبار، الجزيئات المهيجة، الفيروسات، أو المركبات الكيميائية المتطايرة. تنتقل هذه الإشارات عبر العصب ثلاثي التوائم إلى جذع الدماغ، حيث يتم تنسيق استجابة إخراج هواء قوية وسريعة تهدف إلى تنظيف الممرات الأنفية.

في هذا السياق، فإن السؤال حول ما إذا كان للعطاس رائحة يتطلب فهمًا دقيقًا لطبيعة الهواء الخارج أثناء العطاس ومكوناته. من الناحية الفيزيولوجية البحتة، الهواء نفسه لا يحمل رائحة، لأن الرائحة ليست خاصية للهواء بل نتيجة وجود جزيئات كيميائية متطايرة (Volatile Organic Compounds – VOCs) قادرة على تنبيه مستقبلات الشم في الأنف. وبالتالي فإن أي رائحة مرتبطة بالعطاس لا تنشأ من “العملية” بحد ذاتها، بل من المواد المحمولة داخل تيار الهواء القسري الخارج من الرئتين والمجاري التنفسية العليا.

أثناء العطاس، يصل تدفق الهواء إلى سرعات عالية جدًا قد تتجاوز ١٠٠ – ١٥٠ كيلومترًا في الساعة، ما يؤدي إلى تحويله إلى رذاذ دقيق من القطرات المخاطية التي تنطلق من التجويف الأنفي والبلعوم. هذه القطرات ليست ماءً فقط، بل تحتوي على خليط معقد من المخاط، الأملاح، البروتينات المناعية مثل الغلوبولينات المناعية (IgA)، خلايا ظهارية متساقطة، وبالطبع مستعمرات ميكروبية تعيش طبيعيًا في الأنف والجيوب الأنفية.

الرائحة المحتملة أثناء العطاس تنشأ في الأساس من هذا المحتوى البيولوجي. فالأنف ليس بيئة معقمة، بل يحتوي على ميكروبيوم متوازن نسبيًا في الحالة الصحية. ولكن في بعض الظروف، مثل التهاب الجيوب الأنفية أو العدوى البكتيرية المزمنة، يحدث اختلال في هذا التوازن يؤدي إلى تكاثر بكتيريا قادرة على إنتاج مركبات كيميائية ذات رائحة واضحة، خصوصًا المركبات الكبريتية (Sulfur-containing compounds) والأمينات المتطايرة. هذه المركبات معروفة في الطب بأنها مسؤولة عن الروائح الكريهة في حالات الالتهاب القيحي، ويمكن أن تصبح أكثر وضوحًا عند حدوث اندفاع قوي للهواء كما في العطاس.

إضافة إلى ذلك، تلعب الجيوب الأنفية دورًا مهمًا في هذه الظاهرة. في الحالات الالتهابية، قد تتراكم الإفرازات داخل هذه الجيوب لفترات طويلة نسبيًا، ما يسمح بتحلل البروتينات بفعل البكتيريا وإطلاق مركبات عضوية متطايرة. عند العطاس، يمكن أن تُدفع أجزاء صغيرة من هذه الإفرازات نحو التجويف الأنفي ثم إلى الخارج، حاملة معها رائحة مميزة تختلف شدتها حسب درجة الالتهاب ومدة تراكم الإفرازات.

ولا يمكن إغفال دور الفم في تشكيل الإحساس بالرائحة أثناء العطاس. فالعطاس ليس عملية أنفية خالصة، إذ يمر جزء كبير من الهواء عبر الفم أيضًا. وبالتالي فإن أي روائح فموية موجودة مثل تلك الناتجة عن أمراض اللثة، تسوس الأسنان، أو النشاط البكتيري في طبقة اللسان يمكن أن تمتزج مع تيار الهواء الخارج، ما يعطي انطباعًا بوجود “رائحة عطاس”.

من زاوية أخرى أكثر دقة، هناك عامل حسي مهم يتعلق بطريقة إدراك الإنسان للرائحة أثناء العطاس. فعند العطاس، يحدث اندفاع مفاجئ للهواء يتبعه توقف قصير جدًا في التنفس الطبيعي، ما قد يغير نمط تدفق الجزيئات العطرية نحو الظهارة الشمية. كما أن جزءًا من الإحساس بالرائحة قد يكون مرتبطًا بما يُعرف بالشم الرجعي (Retronasal olfaction)، حيث تنتقل الجزيئات من البلعوم الخلفي إلى مستقبلات الشم أثناء الزفير القوي، وهو ما قد يجعل الدماغ يفسر بعض المركبات على أنها “رائحة مرتبطة بالعطاس” حتى لو كانت موجودة مسبقًا في الفم أو الأنف.

في الحالات الصحية الطبيعية، يكون هذا التأثير شبه معدوم، لأن تركيز المركبات المتطايرة يكون منخفضًا جدًا، والميكروبيوم الأنفي في حالة توازن لا ينتج روائح قوية. لذلك فإن العطاس لدى الأشخاص الأصحاء يُعتبر عمليًا عديم الرائحة. أما في الحالات المرضية، فإن ظهور رائحة أثناء العطاس لا يُعد عرضًا مستقلًا بحد ذاته، بل مؤشرًا غير مباشر على وجود عملية التهابية أو ميكروبية في الجهاز التنفسي العلوي.

يمكن القول في النهاية إن العطاس لا “ينتج” رائحة، لكنه يعمل كآلية قذف ميكانيكية تكشف أحيانًا عن الروائح الكامنة داخل الأنف أو الجيوب أو الفم. وبذلك فإن الرائحة ليست خاصية للعطاس، بل نتيجة للبيئة البيولوجية التي يحدث فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Click FM 101.1 live
Click to listen live