حين تتحول الأوطان إلى أوراق تفاوض

لنقلها بلا تجميل: ما يجري اليوم ليس فوضى، بل ترتيب واضحلكن ليس لمصلحة لبنان.

في إسلام آباد، تُدار مفاوضات يُفترض أنها سترسم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة. وفي بيروت، يُكتب الدم على الأرض. ليس صدفة. وليس تزامنًا بريئًا. بل معادلة معروفة: حين تتفاوض القوى الكبرى، تُفتح ساحات صغيرة لتعديل الشروط.

ولبنان؟
ليس شريكًا. ليس طرفًا. ليس حتى حاضرًا. لبنان مجرد ساحة.هذا هو الواقع الذي يحاول البعض الهروب منه. لا أحد ينتظر رأي بيروت، ولا أحد يسأل عمّا يمكن أن تتحمله. القرار يُصاغ في مكان آخر، والنتائج تُفرض هنا.

الأخطر أن هذا الغياب لم يعد مفروضًا فقط، بل أصبح شبه مقبول. دولة بلا قرار موحّد، بلا قدرة على فرض سيادتها، وبلا وزن فعلي على طاولة التفاوض فكيف يمكن أن تُؤخذ على محمل الجد؟

في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تُناقش ملفات كبرى: أمن، نفوذ، توازنات. أما لبنان، فيُختصر إلى تفصيل. ورقة. هامش. وإذا اشتعل، فذلك جزء من اللعبة، لا خلل فيها.

أما الحديث عن “تهدئة” و“اتفاقات”، فهو لا يصمد أمام الواقع. ما قيمة أي تفاهم إذا كانت السماء لا تزال مفتوحة للنار؟ ما معنى الدبلوماسيّة إذا كانت الأرض تتكلم بلغة القصف؟

الحقيقة أبسط وأقسى وما يُقال في الغرف المغلقة شيء، وما يُفرض بالنار شيء آخر.هناك من يفاوض… وهناك من يدفع الثمن.

ومن يعتقد أن التصعيد الحالي منفصل عن المفاوضات، يتجاهل أبسط قواعد السياسة في هذه المنطقة. الضغط الميداني ليس نتيجة فشل التفاوض، بل أداة من أدواته. كل صاروخ، كل غارة، كل توترهو رسالة. والرسائل هنا لا تُكتب بالحبر، بل بالقوة.

لبنان اليوم ليس فقط خارج اللعبة، بل داخلها… كأداة. وهنا تكمن الفضيحة الكبرى.بلد كامل يُستخدم لتبادل الإشارات، لتسجيل النقاط، لتعديل الشروط. لا سيادة تُحترم، ولا حدود تُصان، ولا شعب يُؤخذ بعين الاعتبار. فقط توازنات تُرسم، ولو فوق الركام.

السؤال لم يعد ماذا سيحصل؟ بل إلى متى سيبقى لبنان يقبل أن يكون ساحة لا دولة؟وإذا لم يُطرح هذا السؤال بجديةوبصوت عالٍفلن يتغير شيء.لأن في هذه المنطقة، من لا يجلس على الطاولة، يُكتب مصيره عليها.

 

ج.س

زر الذهاب إلى الأعلى