
عاد مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب إلى دائرة الاهتمام الإقليمي بعد تصريحات نقلتها وسائل إعلام عن مسؤول عسكري إيراني تحدث فيها عن احتمال استهداف المفاعل في حال تصاعدت المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه التصريحات، التي جاءت في سياق التوترات العسكرية المتزايدة في المنطقة، أعادت طرح أسئلة قديمة لكنها شديدة الحساسية: ماذا قد يحدث إذا تعرض هذا المفاعل لضربة عسكرية؟ وهل يمكن أن يصل خطر إشعاعي إلى دول مجاورة مثل لبنان؟
هذه الأسئلة لا ترتبط فقط بالسياسة أو بالتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط، بل تتعلق أيضًا بعلوم الطاقة النووية والبيئة والطقس. فالمفاعلات النووية، بحكم طبيعتها، تعتبر منشآت حساسة للغاية، وأي حادث كبير فيها يمكن أن تكون له آثار تتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها.
يقع مفاعل ديمونا في صحراء النقب جنوب إسرائيل، على مسافة بعيدة نسبيًا من المدن الساحلية الكبرى. يُعرف رسميًا باسم “مركز الأبحاث النووية في النقب”، وقد بدأ العمل على بنائه في أواخر خمسينيات القرن الماضي بدعم تقني فرنسي، قبل أن يدخل الخدمة في أوائل ستينيات القرن العشرين. منذ ذلك الحين، أصبح هذا المفاعل محورًا رئيسيًا في النقاش الدولي حول البرنامج النووي الإسرائيلي.
إسرائيل لا تعلن رسميًا امتلاكها أسلحة نووية، لكنها تتبع ما يُعرف بسياسة “الغموض النووي”، أي عدم تأكيد أو نفي امتلاك هذه الأسلحة. ومع ذلك، تشير تقديرات العديد من المراكز البحثية الدولية إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية محدودة، ويُعتقد أن مفاعل ديمونا لعب دورًا أساسيًا في تطوير هذه القدرات منذ عقود.
هذه الخلفية هي ما يجعل الحديث عن استهداف هذا الموقع تحديدًا مسألة شديدة الحساسية. فالمفاعل لا يمثل فقط منشأة علمية أو صناعية، بل يعد جزءًا من البنية الإستراتيجية التي تعتمد عليها إسرائيل في سياستها الدفاعية.
لكن من المهم التوضيح أن المفاعل النووي يختلف جذريًا عن السلاح النووي. فحتى في حال تعرضه لهجوم عسكري مباشر، لا يمكن أن ينفجر بالطريقة نفسها التي تنفجر بها القنبلة النووية. الانفجار النووي يتطلب ترتيبات تقنية معقدة للغاية لا توجد في المفاعلات المدنية أو البحثية.
الخطر الحقيقي في مثل هذه الحالات يتمثل في احتمال تضرر قلب المفاعل أو أنظمة التبريد أو مخازن المواد المشعة. إذا حدث ذلك، يمكن أن تتسرب مواد مشعة إلى الهواء أو إلى البيئة المحيطة، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار تلوث إشعاعي في المناطق القريبة.
انتشار هذا التلوث لا يعتمد فقط على حجم الحادث نفسه، بل يتأثر بعوامل متعددة، من بينها كمية المواد المشعة التي خرجت إلى الهواء، وارتفاع السحابة الناتجة عن الانفجار أو الحريق، والظروف الجوية في وقت الحادث. الرياح تلعب الدور الأهم في تحديد اتجاه انتشار التلوث.
في شرق البحر المتوسط، تتغير أنماط الرياح بحسب الفصول والأنظمة الجوية. في كثير من الأحيان تتحرك الكتل الهوائية من البحر نحو الداخل، أي من الغرب إلى الشرق، لكن هذا ليس قاعدة ثابتة. في بعض الحالات يمكن للرياح أن تتحرك شمالًا أو جنوبًا بحسب طبيعة المنخفضات الجوية أو المرتفعات الجوية التي تتحكم بالطقس في المنطقة.
لهذا السبب، فإن أي تقييم لانتشار التلوث النووي لا يمكن أن يكون دقيقًا إلا بعد معرفة الظروف الجوية في لحظة وقوع الحادث. ومع ذلك، يمكن استخدام الخبرات السابقة في الكوارث النووية الكبرى لفهم الصورة العامة.
في عام ١٩٨٦، شهد العالم واحدة من أسوأ الكوارث النووية في التاريخ عندما انفجر مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا. أدت هذه الكارثة إلى إطلاق كميات هائلة من المواد المشعة في الغلاف الجوي، وانتشرت سحابة التلوث عبر أجزاء واسعة من أوروبا. ومع ذلك، كانت المناطق الأكثر تضررًا هي تلك الواقعة ضمن نطاق قريب نسبيًا من موقع المفاعل، بينما وصلت آثار ضعيفة فقط إلى مناطق أبعد بكثير.
حادث آخر وقع في اليابان عام ٢٠١١ عندما تعرضت محطة فوكوشيما النووية لأضرار كبيرة بعد زلزال قوي وموجات تسونامي. ورغم أن التلوث الإشعاعي انتشر في البيئة المحيطة، فإن التأثيرات الأكثر خطورة بقيت في نطاق جغرافي محدود حول الموقع.
هذه التجارب التاريخية تشير إلى أن أخطر آثار الحوادث النووية عادة ما تكون محصورة في المناطق القريبة من موقع المفاعل، في حين تقل مستويات التلوث تدريجيًا كلما ابتعدنا عن مصدره.
بالنسبة للبنان، فإن المسافة بين بيروت ومفاعل ديمونا تبلغ نحو أربعمئة كيلومتر تقريبًا. هذه المسافة تعتبر كبيرة نسبيًا عندما يتعلق الأمر بانتشار التلوث الإشعاعي المباشر. ولذلك يرى العديد من الخبراء أن احتمال تعرض لبنان لخطر إشعاعي كبير في حال وقوع حادث في ديمونا يبقى محدودًا في معظم السيناريوهات.
لكن هذا لا يعني أن انتقال آثار إشعاعية لمسافات بعيدة أمر مستحيل. فبعض الجزيئات المشعة يمكن أن تنتقل عبر الغلاف الجوي لمسافات طويلة، خصوصًا إذا وصلت إلى طبقات مرتفعة من الهواء. في مثل هذه الحالات يمكن أن تُرصد آثار ضعيفة من التلوث في مناطق بعيدة عن موقع الحادث.
مع ذلك، فإن هذه الآثار تكون عادة منخفضة جدًا ولا تشكل خطرًا مباشرًا على صحة السكان، بل تظهر غالبًا في القياسات العلمية التي تقوم بها محطات مراقبة الإشعاع أو في الدراسات البيئية طويلة الأمد.
هناك عامل آخر مهم يمكن أن يؤثر في انتشار التلوث، وهو هطول الأمطار. عندما تمر سحابة ملوثة فوق منطقة تشهد أمطارًا، يمكن أن تسقط بعض الجزيئات المشعة مع قطرات المطر على الأرض، وهي ظاهرة تُعرف علميًا باسم “الترسيب الإشعاعي”. لهذا السبب، تلعب الظروف الجوية دورًا حاسمًا في تحديد الأماكن التي قد تتأثر بالتلوث في حال وقوع حادث نووي.
في حالة مفاعل ديمونا، تشير التحليلات الجغرافية إلى أن المناطق الأقرب إلى الموقع ستكون الأكثر عرضة لأي تلوث محتمل. وتشمل هذه المناطق جنوب إسرائيل وصحراء النقب، وربما أجزاء من الدول المجاورة القريبة مثل الأردن في حال اتجهت الرياح نحو الشرق.
أما الدول الأبعد مثل لبنان، فإن احتمال تعرضها لتأثير مباشر وخطير يبقى أقل بكثير، خاصة في ظل المسافة الكبيرة التي تفصلها عن موقع المفاعل.
مع ذلك، فإن مجرد طرح سيناريو استهداف مفاعل نووي في الشرق الأوسط يسلط الضوء على المخاطر التي قد تنجم عن وجود منشآت نووية في مناطق تشهد توترات سياسية وعسكرية متكررة. فالمفاعلات النووية مصممة عادة لتحمل ظروف قاسية، لكن الحروب تبقى دائمًا عاملًا غير متوقع يمكن أن يخلق مخاطر جديدة.
من جهة أخرى، يشير بعض الخبراء إلى أن استهداف منشأة نووية قد يحمل أيضًا مخاطر كبيرة على الجهة التي يقع فيها المفاعل نفسه. فالتلوث الإشعاعي لا يعترف بالحدود السياسية، وقد ينتشر في اتجاهات مختلفة تبعًا لحركة الرياح، ما يجعل الدول القريبة من الموقع أول المتأثرين بأي حادث كبير.
في النهاية، يبقى الحديث عن ضرب مفاعل ديمونا في إطار التهديدات السياسية والعسكرية التي ترافق التصعيد في المنطقة. وحتى الآن لا توجد مؤشرات فعلية على أن مثل هذا السيناريو قد يحدث في المستقبل القريب.
ومع ذلك، فإن النقاش الذي يثار حول هذا الموضوع يذكّر بحقيقة أساسية في عالم الطاقة النووية، وهي أن هذه التكنولوجيا تحمل في طياتها فوائد كبيرة عندما تُستخدم لأغراض سلمية، لكنها قد تتحول إلى مصدر خطر كبير إذا وقعت في ظروف استثنائية أو في مناطق تشهد نزاعات مسلحة.
لهذا السبب، يظل ملف المنشآت النووية في الشرق الأوسط واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في السياسة الدولية. وأي تطور يتعلق بمفاعل ديمونا أو بغيره من المنشآت النووية في المنطقة سيبقى محل متابعة دقيقة من قبل الدول المجاورة والرأي العام العالمي، نظرًا لما قد يحمله من تداعيات تتجاوز حدود دولة واحدة وتمتد إلى كامل المنطقة.

