التهاب المفاصل الروماتويدي يبدأ بصمت قبل ظهور الأعراض بسنوات

اكتشف العلماء أنّ التهاب المفاصل الروماتويدي يبدأ قبل فترة طويلة من ظهور أولى علامات الألم أو التيبّس. فبدلًا من أن ينطلق المرض عند ملاحظة آلام المفاصل، فإنه يتطوّر بصمت على مدى سنوات. ويُعدّ التهاب المفاصل الروماتويدي اضطرابًا مناعيًا ذاتيًا مزمنًا يؤدي إلى الالتهاب وتلف المفاصل.

وبحسب أبحاث جديدة، يخضع الأشخاص المعرضون لخطر الإصابة بهذا المرض لتغيّرات كبيرة في جهازهم المناعي قبل ظهور الأعراض بوقت طويل، إذ يكون الجسم قد دخل بالفعل في مواجهة مناعية خفية خلال هذه المرحلة الصامتة المبكرة.

وقد تعاون باحثون من معهد آلن وجامعة كولورادو آنشوتز وجامعة كاليفورنيا في سان دييغو ومعهد بيناروأ للدراسات لرسم صورة دقيقة لهذه المرحلة المبكرة، ونُشرت نتائجهم في مجلة Science Translational Medicine. وتُعدّ هذه النتائج أوضح عرض حتى الآن لكيفية تشكّل المرض، إذ أظهرت أن مسار التهاب المفاصل الروماتويدي يبدأ فعليًا قبل فترة طويلة من ملاحظة أي مشكلات في المفاصل. وقد تساهم هذه المعطيات في توجيه التدخل العلاجي المبكر وربما منع ظهور المرض.

وقال مارك غيليسبي (دكتوراه)، الباحث المساعد في معهد آلن، والمؤلف المشارك إلى جانب كيفن دين (جامعة كولورادو آنشوتز)، وآدم سافدج (معهد آلن)، وتروي تورغرسون (معهد آلن)، وغاري إس. فايرستين (جامعة كاليفورنيا سان دييغو):
“نأمل أن يساهم هذا البحث في رفع الوعي بأنّ التهاب المفاصل الروماتويدي يبدأ أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، وأن يساعد الباحثين على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات لتعطيل تطوّر المرض.”

وتابع البحث أفرادًا يحملون أضداد ACPA لمدة سبعة أعوام. وتُعدّ هذه الأضداد من أهم المؤشرات الحيوية لدى الأشخاص المعرّضين للإصابة بالمرض. وخلال الدراسة، اكتشف الفريق عوامل لم تكن معروفة سابقًا تسهم في تقدّم المرض، من بينها التهاب واسع النطاق، واختلال في الجهاز المناعي، وتغيّرات في وظائف بعض الخلايا المناعية.

وقال كيفن دين (دكتوراه/دكتور في الطب):
“نتوقع أن تفتح نتائج هذه الدراسة الباب أمام بحوث إضافية للتنبؤ بمن سيُصاب بالمرض، وتحديد أهداف بيولوجية للوقاية منه، وتحسين العلاجات المتاحة للمرضى المصابين به.”

أهم النتائج:

١. التهاب واسع النطاق:
لاحظ الباحثون أن الأشخاص المعرضين للإصابة يعانون من علامات التهاب جهازي في أنحاء الجسم كافة، وليس في المفاصل فقط، وهو نمط مشابه لما يُرى عادة لدى المصابين بالمرض النشط.

٢. خلل في الخلايا المناعية:

  • لوحظت استجابة مفرطة للخلايا البائية، التي يفترض أن تنتج الأجسام المضادة الواقية.

  • كما توسّعت أعداد الخلايا التائية المساعدة، خصوصًا الشبيهة بخلايا Tfh17، إلى مستويات غير معتادة. وتُعدّ هذه الخلايا عنصرًا أساسيًا في تنسيق الاستجابة المناعية وإنتاج الأجسام المضادة الذاتية التي تستهدف أنسجة الجسم السليمة.

٣. إعادة برمجة خلوية:
أحد أهم الاكتشافات أنّ حتى الخلايا التائية “الخام” التي لم تلتقِ مسبقًا بأي ممرض، أظهرت تغيّرات جينية تنظيمية (إبيجينيتكية) رغم بقاء تسلسل الحمض النووي سليمًا، ما يشير إلى أن هذه الخلايا تعرّضت لإعادة برمجة قبل مواجهة أي تهديد.

٤. علامات مبكرة شبيهة بالالتهاب المفصلي في الدم:
وجد الباحثون أن الخلايا الوحيدة (Monocytes) في الدم تنتج كميات مرتفعة من الجزيئات الالتهابية، وتتشابه بشكل لافت مع الخلايا البلعمية الموجودة عادة في المفاصل الملتهبة لدى مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي، ما يدل على أنّ الجسم يهيّئ بيئة التهابية قبل ظهور الأعراض السريرية.

نحو الكشف المبكر والعلاج الوقائي

تُبرز النتائج مؤشرات إنذار مبكر جديدة — بما فيها تواقيع مناعية ومؤشرات حيوية — يمكن أن تساعد الأطباء في معرفة الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض. وقد يتيح تشخيص المرض خلال هذه المرحلة الخفية مراقبة المريض عن كثب وبدء العلاج مبكرًا. وإذا أمكن اكتشاف هذا المسار في الوقت المناسب، قد تُمنع الإصابة قبل أن يلحق المرض أي ضرر بالمفاصل، ما قد يجنب المرضى سنوات من الألم والإعاقة.

وتدعم هذه الدراسة التحوّل من استراتيجية ردّ الفعل بعد تلف المفاصل إلى منع حدوث المرض في مراحله الأولى.

زر الذهاب إلى الأعلى