الجدل يتجدد حول فضل شاكر بعد تسليمه نفسه للجيش اللبناني

بعد أكثر من عشر سنوات من الغياب عن الأنظار داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، سلم الفنان اللبناني فضل شاكر نفسه إلى الجيش اللبناني يوم السبت الماضي، منهياً مرحلة طويلة من الجدل التي شغلت الرأي العام اللبناني والعربي منذ أحداث عبرا عام ٢٠١٣. ووفق شهود عيان، خرج شاكر سيراً على الأقدام من المخيم متجهاً نحو حاجز عسكري قريب من منطقة الحسبة في صيدا، وكان هادئاً ومبتسماً ويتحدث مع مرافقيه بثقة قبل أن يتسلمه ثلاثة ضباط من الجيش تمهيداً لاستجوابه. الخطوة التي أقدم عليها شاكر أثارت موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدر وسم #فضل_شاكر المنصات بين مؤيد يعتبرها شجاعة وقراراً جريئاً لمواجهة الماضي، ومعارض يرى فيها محاولة متأخرة لتبييض الصورة.

عدد من النشطاء والفنانين أبدوا دعمهم لفضل شاكر، معتبرين أن تسليمه نفسه ليس ضعفاً بل دليلاً على القوة والإيمان بالعدالة. الفنان صلاح الكردي الذي يعرفه منذ أكثر من ٢٣ عاماً قال إنه لم يرَ من شاكر سوى الاحترام والصدق، مؤكداً أن مواقفه لم تتبدل رغم كل ما مرّ به خلال السنوات الماضية. وأشار كثيرون إلى أن شاكر كان ضحية التباس سياسي وقضائي، وأنه ربما قرر هذه الخطوة بعد تفاهمات قانونية تمهد لإعادة النظر في قضيته. كما دعا آخرون إلى مؤازرته إعلامياً وقضائياً، مؤكدين أن قضيته تفضح تضارب الأحكام في النظام القضائي اللبناني.

في المقابل، عبّر آخرون عن استغرابهم لما وصفوه بـ”تمجيد مبالغ فيه”، مشيرين إلى أن الوطنية لا تُقاس بالعواطف وأن كل من ساهم في التحريض يجب أن يُحاسب، سواء حمل السلاح أو دعم خطاب الفتنة. وانتقد هؤلاء محاولة تقديم شاكر في صورة الضحية، مؤكدين أن التوبة الحقيقية تبدأ بالاعتراف العلني بالأخطاء والاعتذار لعائلات العسكريين الذين سقطوا خلال معركة عبرا.

وتعود وقائع تلك المعركة إلى ٢٣ حزيران ٢٠١٣ حين اندلعت اشتباكات بين أنصار الشيخ أحمد الأسير والجيش اللبناني، أسفرت عن مقتل ١٩ جندياً و١٥ من جماعة الأسير، قبل أن يفرّ الأخير ويتوارى عن الأنظار لعامين حتى أُلقي القبض عليه في مطار بيروت متنكراً. وأكد الصحفي رامز القاضي، الذي كان من بين من غطوا تلك الأحداث، أن فضل شاكر لم يطلق رصاصة واحدة على الجيش وغادر المكان مع بداية المواجهات، مشدداً على أنه يستحق فرصة جديدة في بلد يغفر أحياناً لمن خاضوا معارك حقيقية.

فضل شاكر، البالغ من العمر ٥٦ عاماً، كان قد أعلن اعتزاله الغناء في عام ٢٠١٢، قبل أن تصدر المحكمة العسكرية في عام ٢٠٢٠ حكماً غيابياً بسجنه ٢٢ عاماً مع الأشغال الشاقة، ثم ألغت جزءاً من هذا الحكم عام ٢٠١٨ بعد تبرئته من تهم القتل وتشكيل العصابات المسلحة. وخلال سنوات اختبائه في المخيم، واصل نشاطه الفني بشكل محدود، فطرح أغنيات جديدة أبرزها “كيفك عفراقي” و“أحلى رسمة” التي حققت انتشاراً واسعاً بين جمهوره.

ويرى مراقبون أن تسليم شاكر نفسه قد يكون خطوة تمهيدية نحو تسوية قانونية شاملة تتيح له استعادة حياته الطبيعية، خصوصاً بعد تصاعد التهديدات الأمنية داخل المخيم وضغوط اجتماعية طالبت بوقف نشاطه الفني. ويعتقد البعض أن عودته قد تفتح الباب أمام فصل جديد في مسيرته، يجمع بين التجربة المريرة التي عاشها وبين الرغبة في استعادة مكانته كأحد أبرز الأصوات التي طبعت الذاكرة الفنية العربية.

وهكذا، بعد عقد من الصمت والاختفاء، يطل فضل شاكر مجدداً من بوابة القضاء، محاطاً بجدل لا يهدأ بين من يراه مذنباً ومن يراه مظلوماً، بينما ينتظر الجمهور ما إذا كانت هذه الخطوة ستكون بداية طريق نحو العدالة أو نحو عودة فنية تعيد صوته إلى الساحة التي غاب عنها طويلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى