
في ظل المساعي المتواصلة لبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وتأكيد الجهات الرسمية التزامها بتطبيق القرار الدولي ١٧٠١، الذي ينص على جعل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني خالية من السلاح غير الشرعي، عادت الاعتداءات على قوات حفظ السلام الدولية “اليونيفيل” إلى الواجهة، ما يثير مجددًا علامات استفهام حول خلفياتها وتوقيتها، لا سيما أن مثل هذه الحوادث كانت في السابق تُستخدم كوسائل ضغط أو رسائل غير مباشرة من قبل جهات محلية نافذة.
وسُجلت، يوم الثلاثاء، حادثة في بلدة بنت جبيل، حيث اعترض عدد من “أهالي المنطقة” طريق دورية تابعة لـ”اليونيفيل” بسبب دخولها من دون مواكبة من الجيش اللبناني. كما شهدت بلدة طيردبا، يوم الجمعة، اعتراض شابين لدورية مؤللة تابعة للقوات الدولية، مما دفع الأخيرة إلى الانسحاب من المكان، وتداول ناشطون مقطع فيديو يُظهر أحد الشابين وهو يقول: “ممنوع دخولهم من دون الجيش”.
وبحسب مصادر في رئاسة الجمهورية، فقد تم التطرق إلى هذه الحوادث في الاجتماع الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد قوات “اليونيفيل” في الجنوب الجنرال أرولدو لازارو، حيث تم التأكيد على ضرورة التنسيق الدائم بين القوات الدولية والجيش اللبناني لتفادي أي احتكاك. وأوضحت المصادر أن الجيش يتدخل فورًا لمعالجة أي حادثة من هذا النوع، في إطار منع تفاقم التوتر.
من جهتها، وصفت مصادر وزارية هذه الاعتداءات بـ”غير المقبولة”، مشيرة إلى أن رئيس الجمهورية سبق وأدان حادثة مماثلة وقعت قبل شهرين قرب طريق المطار، مشددة على أن “هذه التصرفات مرفوضة ومدانة”. وأشارت إلى أن التحقيقات في تلك الحادثة أدت إلى توقيف ٢٥ شخصًا، أُطلق سراح ١٩ منهم وأُحيل ٦ إلى المحكمة العسكرية.
وأكدت المصادر أن أي شكوى من الأهالي يجب أن تُنقل إلى الجيش اللبناني، محذرة من أن هذه الأفعال تُلحق ضررًا بالعلاقة بين “اليونيفيل” والمجتمع المحلي، وتؤثر سلبًا على الاستقرار، خصوصًا أن العديد من سكان المناطق الجنوبية يستفيدون من خدمات القوات الدولية على الصعيدين الأمني والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لم تستبعد المصادر أن تكون لهذه الاعتداءات أبعاد سياسية، لا سيما في ظل التأكيدات الرسمية من أعلى المستويات، رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على الالتزام بالقرار ١٧٠١ والعمل على ترسيخ الاستقرار في الجنوب. وأضافت: “من الواضح أن هناك طرفًا يحاول عرقلة العلاقة مع قوات اليونيفيل، ويغني خارج السرب”.
وعن تأثير هذه الحوادث على عمل “اليونيفيل”، رأت المصادر أن تكرارها قد يؤدي إلى ردود فعل من الدول المساهمة، ومنها احتمال تعليق بعض المشاركات في حال استمرارها.
وفي تعليق لمدير مركز “الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري، أنيجما”، رياض قهوجي، أشار إلى أن “حزب الله” هو المسؤول المباشر عن هذه الاعتداءات، معتبرًا أن الحزب لا يزال يسيطر على المنطقة ويستخدم مثل هذه الحوادث لإرسال رسائل سياسية، في ظل التوجه الرسمي لنزع سلاحه. وقال قهوجي: “لا أحد يتحرك في القرى الحدودية من دون توجيه مباشر من الحزب”.
وحذر قهوجي من تصاعد هذه الاعتداءات، والتي قد تطال حتى الجيش اللبناني نفسه، ما لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة وتوقيف المتورطين، منعًا لتكرارها.
وفي بيان لها عقب حادثة يوم الجمعة، أكدت كانديس آرديل، نائبة الناطق الرسمي باسم “اليونيفيل”، أن القوات الدولية تعمل “بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني لدعم الحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار ١٧٠١ في هذه المرحلة الحساسة”، مشددة على أن “أي محاولة للتدخل في أداء مهام اليونيفيل تتعارض مع التزامات لبنان الدولية”.

