لم يُبدِ أي شخص تحدثت معه سوى الدهشة من السرعة التي انهار بها النظام وتحوّل إلى رماد.
في ربيع عام ٢٠١١، خلال عام الانتفاضات العربية، كان الوضع مختلفًا، حيث حاول السوريون استلهام السحر الثوري الذي أطاح برؤساء تونس ومصر وهدد حكام ليبيا واليمن المخضرمين.
بحلول عام ٢٠١١، كان النظام الذي أنشأه حافظ الأسد ونقله إلى ابنه بشار بعد وفاته عام ٢٠٠٠ قد أصبح فاسدًا ومترهلاً.
لكن النظام الذي بناه حافظ الأسد احتفظ بالكثير من القوة الوحشية التي اعتبرها ضرورية للسيطرة على سوريا. استولى الأسد الأب على السلطة في بلد اعتاد على الانقلابات وسلّمها لابنه دون تحدٍ يُذكر.
عاد بشار الأسد إلى نهج والده في عام ٢٠١١.
يصعب تصوّر ذلك الآن، لكنه كان يتمتع آنذاك بقدر أكبر من الشرعية لدى بعض السوريين مقارنة بالدكتاتوريين الآخرين الذين أُطيح بهم تحت شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.
كان بشار الأسد مؤيدًا قويًا للفلسطينيين وحزب الله خلال حرب لبنان عام ٢٠٠٦ ضد إسرائيل. وكان أصغر سنًا من الحكام العرب الآخرين.
منذ وفاة والده، وعد بإجراء إصلاحات. وكان بعض السوريين يأملون أن تكون الاحتجاجات الحافز الذي يدفعه لتحقيق التغيير الذي وعد به، حتى أمر رجاله بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين في الشوارع.
أخبرني سفير بريطاني سابق في سوريا أن أفضل طريقة لفهم نظام الأسد هي مشاهدة أفلام المافيا مثل “العراب”. كان المطيعون يحصلون على المكافآت، ومن يعارض زعيم العائلة أو أقرب مساعديه يواجه الإقصاء، سواء بالإعدام، أو بالسجن المؤبد في زنزانات تحت الأرض.
نرى الآن سجناء نحيلين شاحبين، يرمقون الضوء بعد تحريرهم من قبل مقاتلي المعارضة الذين أطلقوا سراح آلاف المعتقلين بعد سنوات من الأسر.
تم إخفاء ضعف النظام، الذي انهار ككيس ورقي رطب، بفضل شبكة القمع والمعتقلات التي لا تزال قائمة.
كان التوافق الدولي يرى أن بشار الأسد ضعيف، يعتمد على روسيا وإيران، ويحكم بلدًا مزّقه للحفاظ على حكم عائلته – لكنه لا يزال قويًا بما يكفي ليُعتبر حقيقة في الشرق الأوسط، بل وربما يكون مفيدًا لبعض القوى.
في الأيام الأخيرة قبل أن يخرج المتمردون من إدلب، أُفيد على نطاق واسع بأن الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة كانوا يحاولون إبعاد الأسد عن إيران.
كانت إسرائيل تشن ضربات جوية متزايدة ضد أهداف داخل سوريا قالت إنها جزء من سلسلة إمداد أسلحة تستخدمها إيران لنقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان.
وجّهت إسرائيل ضربات قاسية لحزب الله، وكانت الفكرة منع إعادة تسليحه. في الوقت نفسه، كانت الإمارات والولايات المتحدة تحاولان إيجاد حوافز للأسد لكسر التحالف مع طهران، عبر تخفيف العقوبات والسماح له بمواصلة إعادة تأهيله دوليًا.
ادّعى كل من بنيامين نتنياهو وجو بايدن الفضل في سقوط النظام. وهناك شيء من الصحة في ذلك.
الأضرار التي ألحقتها إسرائيل بحزب الله وإيران، بدعم أمريكي وأسلحة متقدمة، جعلت من المستحيل على حلفاء الأسد إنقاذه، حتى لو أرادوا ذلك.
لكن حقيقة أنهم اعتبروا الأسد جزءًا من استراتيجيتهم لاحتواء إيران حتى أيام قليلة قبل سقوطه تشير بوضوح إلى أنهم لم يتوقعوا انهياره المفاجئ.
انعكاسات السقوط
قد ينهي سقوط النظام سلسلة الإمداد الإيرانية إذا قرر حكام سوريا الجدد أن تحالفهم مع قوى أخرى أكثر فائدة من التحالف مع إيران.
يفكر الجميع مليًا في ما سيأتي بعد ذلك، ومن المبكر استخلاص استنتاجات نهائية. السوريون وجيرانهم والعالم يواجهون زلزالًا جيوسياسيًا جديدًا، ربما الأكبر منذ هجمات حماس على إسرائيل في أكتوبر الماضي، وقد لا يكون الأخير.
مصير إيران وحلفائها
تشهد إيران انهيار الأركان الرئيسية لشبكة ما يسمى “محور المقاومة”، حيث تضرر حزب الله بشدة وسقط نظام الأسد.
قد يسعى حكام إيران إلى التفاوض مع دونالد ترامب بعد توليه منصبه، أو قد يدفعهم وضعهم الاستراتيجي الجديد إلى اتخاذ قرار مصيري بتطوير سلاح نووي.
مستقبل سوريا
للسوريين كل الحق في الاحتفال. في السنوات التي تلت عام ٢٠١١، ورغم قمع النظام ووحشيته، كان الأسد ورجاله يجدون من يقاتل من أجلهم.
في عام ٢٠٢٤، عندما واجه الجيش قوة معارضة منظمة أعلنت نفسها إسلامية وطنية لا جهادية، رفض المجندون القتال، وخلعوا زيهم وعادوا إلى منازلهم.
أفضل سيناريو هو أن يجد السوريون، بمساعدة القوى الإقليمية الكبرى، طريقًا للمصالحة الوطنية بدلاً من الغرق في موجات من النهب والانتقام التي قد تجرّ البلاد إلى حرب جديدة.
التحديات المقبلة
سوريا مليئة بالجماعات المسلحة التي لا تتفق بالضرورة مع قادة المعارضة، وقد تسعى للسيطرة على مناطقها.
في الجنوب، لا تعترف الميليشيات القبلية بسلطة دمشق. وفي الصحراء الشرقية، لا تزال بقايا تنظيم الدولة الإسلامية تشكل تهديدًا دفع الولايات المتحدة إلى شن ضربات جوية.
قد يكون من الأفضل إيجاد طريقة لإصلاح الجيش السوري وجعله جزءًا من الحل في بلد يفتقر إلى القانون والنظام.
النظرة التركية والإسرائيلية
في تركيا، قد يشعر الرئيس أردوغان بالرضا عما يحدث، إذ دعمت بلاده المعارضة المسلحة في إدلب.
أما إسرائيل، فقد تكون قلقة من قيام دولة إسلامية على حدودها، ما يدفعها إلى ضرب البنية التحتية العسكرية السورية بقوة.
السيناريو الأسوأ
أسوأ سيناريو للسوريين هو أن تسير بلادهم على خطى ليبيا والعراق، حيث أدت التدخلات الأجنبية إلى فوضى شاملة.
لم يكن للسوريين سيطرة على مصيرهم لعقود، لكن ربما يكون لديهم الآن فرصة لبناء وطن جديد أفضل إذا استطاعوا.

