المفتي الجعفري يوجّه رسالة لعون: لا تمرير لصفقات تتعارض مع المصلحة الوطنية

وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، كتاباً مفتوحاً إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أكد فيه أن لبنان يمر بلحظة مصيرية تختلف عن كل لحظة سابقة، مشيراً إلى أن البلد مقسوم عمودياً بشدة منذ نشأته الأولى، وأن قواه السياسية ظلت دائماً تعكس حجم الارتباطات الإقليمية والدولية التي تعيد إنتاج هويته ووظيفته وخياراته. ولفت إلى أن أصل نشأة لبنان ارتبط بالعامل الدولي، وما زال كذلك في كل المراحل، بدءاً من انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومات، وصولاً إلى التعيينات في المواقع الحساسة كقائد الجيش وحاكم المصرف المركزي ورؤساء الأجهزة الأمنية.

وأوضح قبلان أن لبنان رُكّب قهرياً من الخارج بسبب انقسام الداخل وضعفه، فبدت صورته الخارجية أبرز من صورته الداخلية، مشيراً إلى أن السلطة الجديدة تشكلت وسط انقسام سياسي حاد ونفوذ أميركي كبير في هياكل لبنان. ورأى أن البلاد الصغيرة والضعيفة لا بد لها من ضامن إقليمي أو دولي في ظل النظام الدولي القائم على القوة والغزو، لكن الإختلاف يبقى في دواعي هذا الارتباط وطبيعة توظيفه لخدمة المصالح الوطنية.

وعقب بالقول إن الخيار الوطني الذي انتهجته المقاومة هزم إسرائيل واسترد لبنان ودولته لصالح المشروع الوطني والشراكة اللبنانية، وذلك بفضل توظيف الخيار الإقليمي في مصالح لبنان. وفي المقابل، اعتبر أن الخيار الأميركي واكب الاحتلال الإسرائيلي لبيروت بهدف حسم هوية البلد وتأكيد تبعيته للمشروع الإسرائيلي، وهو ذات الخيار الذي دعم كل حروب إسرائيل وشاركها القتل والخراب، وما زال حتى اليوم يشاركها حربها المصيرية في الشرق الأوسط التي انتهت بفشل ذريع. وشدد على أن الفصل بين واشنطن وتل أبيب فيما يخص مصالح لبنان هو كذبة لا يصدقها أحد حتى أصحابها.

وحذر قبلان من أن التبعية لواشنطن أو التنازل لها أمر كارثي يطال صميم مصالح لبنان العليا، لا سيما بعد خيانة واشنطن لكل تعهداتها بشأن وقف إطلاق النار ودوسها المواثيق والمصالح الوطنية. ودعا إلى تفكيك هذا الخلاف لحماية البلد ومنع السقوط في أية فتنة، مؤكداً أن تراث الإسلام والمسيحية يدعم الألفة الوطنية والشراكة الأخلاقية، وأن المشكلة تكمن في الأزمة السياسية والصيد الطائفي والأساليب الملتوية التي توقد نار الخوف بين الطوائف، في حين أن التاريخ يثبت أن الشراكة بين الطوائف محسومة وناجحة، وأن الفتن لم تنشب إلا وكان شيطان السياسة أساسها.

وأشار إلى أن لبنان بطوائفه وارتباطاته أكبر من أن يكون تابعاً لأميركا أو لغيرها، متوجهاً إلى الرئيس عون بالقول إن تاريخ الرؤساء والحوكومات يثبت أن أي انقسام كبير يعني خسارة الجميع، وأن أي رئيس أو سلطة، حتى لو امتلك صلاحيات مطلقة، لا يمكنه النهوض بالبلد على أساس الخلاف مع مكونات رئيسية. وذكر أن أكثر من نصف عمر لبنان عاش في حرب أهلية بدأت عام ١٩٥٨ وبلغت ذروتها عام ١٩٧٥، غير أن هذه الحرب أوشكت على النهاية دون أن يستطيع الأميركي أو الإسرائيلي تحقيق أي هدف استراتيجي لصالح إسرائيل، وهذا ما يمثل أكبر مصالح لبنان ويبرز ضرورة المقاومة.

وعن مفاوضات السلطة اللبنانية مع إسرائيل عبر واشنطن، أوضح قبلان أن تل أبيب وواشنطن مصلحة واحدة وطغيان واحد، ولا يريدان للبنان قوة أو كياناً سيادياً مستقلاً، فيما لبنان الرسمي لا يملك أي أوراق للتفاوض. وحذر من أن الخصومة مع المقاومة واضحة، وأي خطأ كبير في هذا المجال سيضع لبنان في المحرقة، مؤكداً أن من يفاوض بلا جيش على الحدود أو قوة داخلية أو وحدة وطنية أو تنسيق مع المقاومة لن يستطيع أن يحقق شيئاً وسيخسر هو ووطنه، ولن يجني من المفاوضات سوى السمك في البحر.

وشدد على الثقة برئيس مجلس النواب نبيه بري وعقله ووعيه، وبالمقاومة التي تملك أهم أوراق القوة، محذراً من أن واشنطن لا تؤمن بالمفاوضات الفارغة بل تسعى للسيطرة على مراكز النفوذ في لبنان، وهو ما يضع المكونات في وجه بعضها البعض. وختم بالقول إنه لا يمكن لأي رئيس أو حكومة تمرير صفقة تتعارض مع المصلحة الوطنية أو الخيارات الكبيرة للبنان، ولن ينهض البلد بالتبعية للخارج، لأن زينة الشعارات الوطنية لا تفيد في بلد مكشوف يعرف فيه الجميع نوايا الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى